تسعة
الرئيسية » مجتمع وعلاقات » الشخصية » الخيال : لماذا نملكه إن كنا نعيش في الواقع أصلاً طوال الوقت ؟

الخيال : لماذا نملكه إن كنا نعيش في الواقع أصلاً طوال الوقت ؟

الخيال هو ذلك العالم الساحر الذي يمكننا فيه أن نفكر خارج قواعد العقل البشري العادية، وأن نرى الأشياء من منظور آخر ربما لا يمكننا رؤيته خلال نظراتنا القاصرة.

الخيال

الخيال ضده الواقع، وهو ذلك المستنقع الساكن من القبح بالنسبة إلينا، هل كنا لنعبره بأمانٍ وحدنا؟ دون الاستعانة بأي مساعداتٍ خارجية ودون الحصول على أي مساندةٍ تسمح لنا بالصمود أكثر، تخيل عالمًا بدون خيال، انتظر لحظة كيف ستتخيل في عالمٍ ليس فيه خيالٌ من الأساس؟ أنت لن تستطيع النظر لغير ماهو أمامك، لن تستطيع التفكير في فكرةٍ أخرى في عالمٍ آخر.. في بعدٍ آخر! بالمناسبة ما رأيك في فكرة الأبعاد والعوالم الموازية، هل تعرفها؟ هي فكرةٌ من بنات الخيال بشكلٍ أساسيٍ بالطبع فبالتأكيد كان لها جزءٌ يمس الواقع من قريبٍ أو بعيد لكنها مبنيةٌ على الخيال، الفكرة تقول أن العالم ليس بعدًا واحدًا نعيش فيه وإنما هي تسعة أبعاد ونحن في العالم ثلاثي الأبعاد لكن هل نعرف حقًا كيف هو الحال في بقية الأبعاد؟ هل ندري إن كانت بقية الأبعاد تشكل عوالم أخرى بخلاف عالمنا؟ وهل هناك ما يشبه المرآة بين الأبعاد يجعل من كل واحدٍ منا نسخًا في العوالم الموازية تعمل على هواها؟ ألم تفكر يومًا بشكلٍ عرضيٍ ما الذي تفعله نسختك في العوالم الموازية الأخرى؟ تتخيل حياتها وحالها، بالطبع لا فكيف ستتخيل في عالمٍ ممنوعٌ فيه الخيال!

الواقع و الخيال : عنصران أساسيان في حياتنا

الحلم

لنأتِ لأبسط صورةٍ من صور الخيال، ليست بسيطةً بالطبع في فحواها لكنني وضعتها ضمن تصنيف البساطة لأنها تحدث للإنسان دون إرادةٍ منه، تحدث دون وعيه وخلال نومه، فلنتحدث قليلًا عن الأحلام، شكلٌ من أشكال الخيال الذي جربه كل إنسان فأنت تنام ليلًا فتغلق عينيك وتحيل حواسك لنظام الراحة وتفقد وعيك وإدراكك لما حولك تدريجيًا عندما تبدأ الأحلام، ماهو الحلم في الأساس؟ الحلم هو صورٌ وسيناريوهات يجسدها لك عقلك الباطن أثناء نومك، تحمل تلك الصور العديد من الجوانب والأشكال وقد تكون مبهجةً وقد تكون حزينةً أو مرعبة لا فرق عند العقل الباطن، هو يفتش في مكتبة الأفلام عنده ثم ينتقي فيلمًا يعرضه عليك كل ليلة، تمثل الأحلام جوانب كثيرة من شخصيتنا فبعضها هو أشياء نتمناها ونطمح إليها ونحلم بها في يقظتنا، وبعضها أشياءٌ ترعبنا ونرهبها ونخشاها ونتمنى ألا تسقط في طريقنا، وأحيانًا لا ذلك ولا ذاك وإنما تكون الأحلام تجسيدًا لأفكارٍ شغلتك لوقتٍ طويلٍ وسيطرت على عقلك وتفكير فلم تتخلص منها حتى في نومك، لم أفهم بعد هل يعني ذلك أن الأحلام كانت بداية الخيال؟ ركز في معنى الأحلام قليلًا، أظنك على خطأ إذًا لنستيقظ ونعد لما قبل البداية.

الحياة خيال

لماذا نتخيل من الأساس؟ إن كان الخيال جاء قبل الحلم فذلك يعني أننا نحلم بأشياء تخيلناها فلماذا تخيلناها من البداية؟ نحن نتخيل لأن عقولنا لا تستطيع التفكير بدون الخيال، قد يحسب بعض الأشخاص الواقعيين أنني سأتكلم عن خيال الأفلام والكتب والروايات، عن مصاصي الدماء والفضائيين ونمل الكيميرا الذي سيحاول السيطرة على العالم، لكنني أتحدث عن الخيال الذي لا نستغني عنه ولا نستطيع الحياة والتفكير بدونه، فتعال فكر معي قليلًا في موقفٍ من المواقف، أنت تريد القيام بشيءٍ لماذا؟ لأنك تخيلت في عقلك هدفًا معينًا تود الوصول إليه، ثم بعد ذلك تخيلت الوسيلة التي ستحتاجها للوصول إليه، ثم بعد ذلك بدأت تتخيل السيناريو الذي سيحدث إن استخدمت هذه الوسيلة وهل سيؤول مصيرك إلى النجاح أم الفشل فيها، ثم بعد كل ذلك تبدأ التنفيذ! فكيف كانت الحياة لتبدو إن لم نكن قادرين على التخيل بتلك الطريقة؟ كيف كنا سنعيش من الأساس؟ كيف سنفكر؟ التفكير في حد ذاته هو قاعدة وأساس الخيال يا سادة، التفكير ليس هربًا من الواقع وإنما هو أساس صرح الواقع، فاجعل عقلك أكثر تفتحًا نحو مصطلح الخيال.

عقلٌ مبدع

إذًا نستطيع الآن أن نقول أننا جميعنا نملك الحد الأدنى من الخيال بشكلٍ فطريٍ أساسي ولا نستطيع التخلي عنه لأي سببٍ من الأسباب لأننا سنتحول عندها لآلات وسنفقد القدرة على التفكير والتأمل والاستنتاج، لكن لننتقل الآن إلى النوع الآخر من الخيال، ذلك الذي خطر على بالك للوهلة الأولى عندما قرأت عنوان المقال، ما معنى ذلك الخيال ومن أين أتى؟نحن البشر تختلف شخصياتنا وطبائعنا عن بعضنا البعض، البعض منا يسمون واقعيين حازمين والبعض الآخر يبدون حالمين أكثر إغراقًا في الخيال وابتعادًا عن الواقع، فإن كان الواقعي يملك الحد الأدنى الضروري من الخيال إذًا فالحالم بحاجةٍ إلى جرعاتٍ أعلى بعدة مراتٍ من ذلك الواقعي، بحاجةٍ إلى أن يبتعد أكثر عن خشونة الواقع ويجد لنفسه ملاذًا في الأحلام، تلك العقول كانت هي بداية إيجاد الخيال الذي نعرفه، بدايةً من أحلام اليقظة بينهم وبين أنفسهم انتهاءً بالروايات والأفلام، تجاوزت تلك العقول الحد الممكن والمعقول والمنطقي في الواقع، اكتشفوا الحاجز بينهما وحكموه فإن كانوا سيحلمون في كل الحالات فليحلموا وليتخيلوا أشياء أكثر بهجةً وروعة وأكثر أسطوريةً وجمالًا من المعطيات الشحيحة بالنسبة إليهم التي يقدمها الواقع، لم يكن ذلك أمرًا جديدًا ولا حديث العهد على الإنسان فالخيال موجودٌ منذ نشأتنا وبداية خلقنا ومنذ تعلم البشر الكلام وكانوا يجلسون ليلًا حول النيران يروون القصص والحكايات ومنذ هدهدت الجدات الأطفال إلى ال5فراش وهن يروين حكايات وحيد القرن والجنيات السحريات والغيلان والوحوش المخيفة.

عطلةٌ من الواقع

ما زال السؤال قائمًا، لماذا نحتاج ذلك النوع الغريب من الخيال؟ النوع الذي تظهر فيه الكائنات الأسطورية والأحصنة المجنحة والبشر بأنياب؟ حين تعمل لوقتٍ طويلٍ وتشعر بأن حياتك أصبحت نمطيةً ثقيلةً محملةً بالهموم والمسئوليات ولم تعد قادرًا على الاستمرار أكثر في نفس الحلقة المفرغة فأنت تستقطع لنفسك وقتًا من تلك الضغوطات كلها وتأخذ لنفسك عطلةً ترتاح فيها وتستجم، نفس القانون يمكن تطبيقه على العقل البشري فهو ليس بحاجةٍ لمواجهة الواقع لمدة 24 ساعة يوميًا خلال 30 يومًا شهريًا كاملةً! يحتاج العقل للراحة خاصةً أن الواقع مظلم وليس بجمال ولا بريق الأحلام والخيال، فأنت في الواقع مهما ازدان وتجمل يجب أن تدفع ثمن كل شيءٍ وتتعب للوصول إلى كل شيء وتدفع من وقتك وجهدك وطاقتك للحصول على شيءٍ في الواقع، وعندما تحصل عليه لا يكون رائعًا أو مثاليًا وإنما هو شيءٌ حقيقيٌ واقعيٌ تسوده عيوب الواقع، عندها تصبح بحاجةٍ حقيقيةٍ لأخذ إجازة ويصبح عقلك بحاجةٍ لأن يحلم ويتخيل أشياء لن يدفع ثمنها وأشياء أخرى كاملة جميلة لا تشوبها شائبة، كثرة تعاملنا مع الواقع تدفعنا للرغبة في إيجاد ثغرةٍ نتنفس منها لأن الواقع دائمًا ما يذكرنا بأننا ملتصقون بالأرض عبر الجاذبية بينما تتيح لنا نافذة الخيال أن نبسط أجنحتنا ونطير في الهواء، الخيال يعطينا فرصةً ورحلةً نرتاح فيها من ضغوط الواقع لنعود إليه أكثر قدرةً على المسير والتحمل، يعطينا الأمل حين يكون الواقع مظلمًا قاتمًا فيخبرنا أن الغد سيكون أفضل وأن علينا التحمل، وبالرغم من ذلك فهو سلاحٌ ذو حدين علينا الانتباه أثناء استخدامه، لأننا عند نقطةٍ معينةٍ قد لا نكون قادرين على العودة لواقعنا فنعيش في خيالنا للأبد بينما تنهدم جدران الواقع فوق رؤوسنا دون أن ننتبه، نحن نحلم، لأن الواقع مرعب.

غفران حبيب

طالبة بكلية الصيدلة مع ميولٍ أدبية لعل الميل الأدبي يشق طريقه يومًا في هذه الحياة

أضف تعليق

1 × 4 =