الحياة السريعة

البعض يرى الحياة السريعة حماية لهم من الملل، والحقيقة أن الحياة الحديثة التي نعيشها زادتنا تعاسة لا العكس، فلم توفر لنا التكنولوجيا المزيد من الوقت لنستمتع، فقد زاد العمل، وإذا تأملت أي يوم في حياتك ستجد الحياة السريعة السيئة التي نتحدث عنها، تستيقظ وتتناول إفطارك على عجل، ترتدي ثيابك بسرعة من أجل اللحاق بالقطارات ووسائل المواصلات المختلفة، تصل إلى العمل منهكا، تحاول إنجاز العمل الذي لا ينتهي بسرعة، حتى لا تضطر للبقاء لساعات إضافية، ثم تلحق بالقطارات عائدا، وهكذا مع المهام اللازمة، ثم تسارع في النوم لتكرار اليوم ذاته في الغد، أي حياة تلك، لم يعد لدينا الوقت لعيش الحياة بصدق، لا نمنح أنفسنا الفرصة لتأمل مشاعرنا والتفكير في شئوننا الخاصة، حتى أن البعض لا يجد لديه الفرصة للحزن، فيضطر للاستمرار في العمل حتى لا يضاف الفقر إلى الاكتئاب، وتلك هي الحياة السريعة يا عزيزي، سنتحدث عنها وعن عيوبها في هذا المقال، وسأساعدك في اقتناص اللحظات الجميلة من الحياة عنوة.

نمط الحياة السريعة

الحياة السريعة نمط الحياة السريعة

قبل الحديث عن أي شيء ينبغي معرفة ماهيته، لذا يجب معرفة نمط الحياة السريعة عن قرب، ومدى انطباقها على حياتنا، وهي تنطبق على أغلبنا في الحقيقة، وأهم سمات نمط الحياة السريعة هو شعورك بها، بها تشعر بمرور الأشياء والتجارب حولك بدون صدى، تعيش وتعمل وتلتقي بالآخرين ولكن لا تجد أثرا لأي من ذلك، كأنه هناك شخص آخر يقوم بالأشياء بدلا منك، ويضيع الخط الذي يصل بين الأشياء ومنطقة الشعور، فتتشابه الأمور، ولا تعرف حقيقة رغبتك في أي شيء، إذ لا تجد الوقت للتفكير في مهاراتك ومواهبك وعملك، فلو توقفت للحظة للتفكير سيضيع القطار، وربما تخسر عملك الذي يجلب لك المال، حتى لو لم تكن تحبه، الحياة السريعة هي تلك الحياة التي تسرقك بلا توقف، تطوق عنقك فلا تجد سبيل للخلاص منها، لا يمكنك التوقف لالتقاط الأنفاس، لا تستطيع التفكير في نفسك، لا يمكنك البحث عن حقيقة أفعالك ومشاعرك ورغباتك، وهكذا بالنسبة لتعاملاتك مع الآخرين من أصدقاء وأهل.

أضرار الحياة السريعة

الحياة السريعة أضرار الحياة السريعة

بداية تحرمنا الحياة السريعة من الحياة بصدق، هل سبق لك الشعور بعدم قدرتك على تمييز مشاعرك؟ مؤكد شعرت بذلك مثلنا جميعا، فلا تمهلنا الحياة السريعة الوقت، فلا نمتلك الفرصة للتركيز في حقيقة مشاعرنا، فحتى تناول وجبة الغذاء أضحى عملا سريعا، تتناول الطعام على عجل بدون التركيز في مذاقه، وإدراك ما إذا كان يعجبك أم لا، ويحدث الأمر ذاته مع مشاعرنا تجاه الأشخاص والعلاقات، وحتى الحزن لم يعد يحصل على وقته كافي، فمهما تكن حالتك النفسية يصبح لزاما عليك الاستمرار، فلا وقت للبكاء، يجب حلاقة الذقن وارتداء الملابس والذهاب للعمل، تماما كما لو كنت سعيدا، الحياة السريعة ظالمة للغاية يا عزيزي، ولها الكثير من الأضرار، سنخبرك بأهمها في السطور التالية، لتعرف كيف تؤثر علينا الحياة السريعـة بالسلب، وتحرمنا العيش بالفعل.

فقدان الوعي بالذات

أهم أضرار الحياة السريعة هي فقدان الوعي بالذات، ولنفكر معا في كيفية حدوث ذلك، عندما نكبر يداهمنا الوقت، يصبح لزاما عليك اختيار الكلية التي ستدرسها، وسرعان ما تضطر لاختيار القسم، ويتكرر الأمر ذاته مع العمل والزواج، وهي حالة لهاث مستمرة، وتجد نفسك بعدها في دراسة لا تفضلها على الإطلاق، وتعمل بالتبعية فيما لا تريده بالضبط، والأسوأ من كل ذلك أن تتزوج من لا ترغب الزواج منها، وبالطبع ستسارع للإنجاب، ولم كل هذا؟ فقط حتى لا تتأخر عن اللحاق بركب المحيطين بك، وكل هذا بسبب الحياة السريعة السيئة، فلا تجلس لتفكر وتتأمل تفضيلاتك، لا وقت للانتظار، كما لا وقت لطرح الأسئلة والبحث الصادق عن إجاباتها، ويحرمك هذا من فرصة الاكتشاف ومعرفة نفسك، ومعرفة النفس ليست رفاهية، بل هي ضرورة للحياة السليمة، فهي التي تساعدك في اتخاذ القرارات الصحيحة لخدمة مصلحتك بدلا من محاكاة الآخرين.

قلة التركيز

الحياة السريعة ممتلئة بعوامل التشتت، ويجعلك هذا غير قادر على التركيز، والسر في سرعة كل الأمور، فهناك الكثير من المواعيد للمهام، عليك عمل كل شيء في الوقت ذاته، ولا يوجد وقت كبير للتركيز، فيجب تسليم كل المهام قبل موعدها، وتتكاثف تلك الأمور وتتحد ضدنا، فيصبح عليك الانتهاء من هذا التقرير، والرد على البريد الإلكتروني، ومهاتفة عمال الصيانة، ولا تنس ابتياع الدواء والأطعمة، وخلال هذا تمر بالمواقف المختلفة وتلتقي بالآخرين وتتخذ القرارات، تجد نفسك في نهاية اليوم فاقدا للتركيز، حتى أن أغلبنا لم يعد يستطيع الاستماع لشيء لثلاث دقائق متصلة، فإما يمسك هاتفه أو يأخذه عقله للتفكير في أمر آخر، وهكذا نحيا حتى لم نعد نستطيع التمييز بين الملح والسكر، فما نحياه في الحياة السريعة يفوق قدرة أجهزتنا العصبية على التحمل والمواكبة.

زيادة التوتر والقلق

تستعبدنا الحياة السريعة أبشع صور الاستبعاد، فهي التي تصنع حالة اللهاث الدائم خلف الحياة، ويؤدي هذا للشعور المستمر بالقلق والتوتر، كيف لا ولديك طوال الوقت الكثير من المهام التي عليك إتمامها، ونخطئ حين نفكر في حياة القدماء والأجداد كحياة صعبة، فعلى الرغم من غياب التكنولوجيا في عالمهم، لم تكن لديهم كل تلك المهام التي نشقى معها، وأغلبهم قضى حياته في هدوء وراحة بال بالمقارنة بنا، لم تستعبدهم الحياة السريعة مثلنا، فبمجرد انتهاء العمل يعودون للبحث عن المتعة والتسلية، يحافظون على مواعيد نومهم ويقدسون راحتهم، وعلى العكس من ذلك زادت ضغوط الحياة علينا، تلك الحياة السريعة أغرتنا بالمزيد، فنقوم بتوريط أنفسنا في مهام إضافية، ونعمل أكثر مما ينبغي، فاللغة التي كان يستغرق تعلمها أعواما، أصبحنا نأخذ الدورات المكثفة لإتقانها في عدة أشهر، ونجد أنفسنا وسط أكوام من المهام غير المنجزة، وينتهي بنا الأمر للشعور بالقلق والتوتر، فالتأخير يعني العزلة والتقصير، فيقلقنا الشعور بالوحدة والتأخر عن المحيطين بنا.

ضياع العمر

تصبح الحياة عديمة المعنى عندما لا نحياها بعمق، وتلك سمة الحياة السريعة التي نحياها، وهي حياة بلا قيمة التي تمر دون الشعور بها، ونظرا للسرعة والخوف من التأخر عن الركب نقضي العمر في أشياء لا نحبها، فقد تعمل عملا لا تريده، وتضيع حياتك في تعلم أشياء غير مفيدة ولا تستمتع بها، كما يساهم فقدان الوعي بالذات وقلة التركيز في هذا الأمر، فعندما تجهل ذاتك تتيه، ويدفعك عدم معرفة تفضيلاتك لتغيير مسارك عدة مرات، فتبدأ مهنة ما ثم تكتشف عدم مناسبتها لك، وهكذا مع غيرها وفي العلاقات العاطفية، ونكبر وقد أهدرنا الوقت وضاعت حياتنا، كما يتمثل ضياع العمر في عدم القدرة على التركيز فيها، فلا نمنح السعادة حقها من الشعور، ولا حتى الحزن والعتاب، وتلك خسارة كبيرة من خسائر الحياة السريعة لنا.

التفكك الأسري وفشل العلاقات

لا تمنحنا الحياة السريعة الوقت لأي شيء، فلا نجد الفرصة للتواصل مع الأهل والأبناء والأصدقاء، وساهمت التكنولوجيا في زيادة حجم المشكلة، إذ منحتنا الفرصة للكسل، فنميل للقيام بكل الواجبات الاجتماعية عن بعد، فنرسل رسائل التهنئة بدلا من حضور الأفراح، وحتى المصائب التي تستحق المشاركة والمواساة أصبحنا نتجاوب معها بتعليق على فيس بوك! تلك كارثة كبرى أدت لفشل الكثير من العلاقات، فأصبحنا أسرى للعمل وخلافه، ولم نعد نمنح من نحبهم الوقت الكافي، وتذكر معي آخر مرة جلست فيها مع أبنائك، سيصعب عليك تذكر تلك المرة، فغالبا ما نعود للمنزل منهكين لنجد أبنائنا نائمين، وحتى الزوجة قد لا نجد الطاقة للحديث معها كما ينبغي، وعندما نلتقي بالأصدقاء نظل نتابع العمل ممسكين بهواتفنا المحمولة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى فشل العلاقات بمختلف أنواعها، كأن الحياة السريعة لا ترضى لنا بغير الوحدة.

هلاك الروح

تحتاج الروح إلى الهدوء والسكينة، ونفتقد هذا في الحياة السريعة التي نعيشها، فلا نجد ما يمس أرواحنا بعمق، إذا لا يكون هناك الوقت لذلك، فيصعب التأمل والتدبر، قد تمضي في طريقك ذهابا وإيابا دون أن تبصر الناس ومباهج الطريق، تقل قدرتنا على الوعي بالجمال، كما تبهت مهارات الخيال لدينا، وذلك السبب الرئيس في الفقر الإبداعي الذي نعاني منه، وقد حثتنا الأديان على التأمل والتدبر، وتحرمنا الحياة السريعة تلك المتعة، بمرور الوقت تهلك أرواحنا، ويصيب قلوبنا العطب للأسف الشديد.

كيف تتعامل مع الحياة السريعة ؟

الحياة السريعة كيف تتعامل مع الحياة السريعة ؟

على الرغم من قسوة الحياة السريعة ومساوئها، تظل هناك الفرصة لحسن استغلالها، كما أن لها بعض المميزات القليلة التي يمكننا الاستفادة منها، وأهم تلك المميزات هي قدرة الحياة السريعة على دفعك للأمام، فتحميك أحيانا من الانهيار وإطالة فترات الحزن والانطفاء، ويمكنك سرقة بعض اللحظات الجميلة من الحياة السريعة، يمكنك هذا بتنظيم الوقت، فعندما تعد لنفسك جدول بكافة المهام، وعندما تقوم بالتخطيط لأهدافك وترتيبها حسب الأهمية، تصبح قادرا على إدارة وقتك والتحكم فيه، وتلك فائدة الروتين اليومي الثابت، وبتوفير الوقت تستطيع سرقة اللحظات الجميلة من الحياة، وتصنع الذكريات الواجب ادخارها للمستقبل، فعندما نكبر لن نبحث عن شيء غير الذكريات الجميلة، فيمكنك توفير الوقت للخروج مع زوجتك وأبنائك، ويجب أيضا زيارة الأهل وودهم، كما تستطيع قضاء اللحظات الممتعة برفقة الأصدقاء، فلا يجب أن تقهرنا الحياة السريعة ونستسلم، بل على العكس يمكنك إدارتها وتوفير الوقت منها.

الحياة السريعة أمر واقع في النهاية، وأضرارها كثيرة، تحدثنا عن تلك الأضرار حتى نعي ما نحن فيه، ونعرف كيف يتم سرقة حياتنا بإيقاع سريع متعاقب، تلك هي المأساة التي نعيشها مؤخرا، وتضيع بها أعمارنا، ونضل الطريق لما نحن فيه من عجلة، كما تزيد الضغوط علينا، ونصبح أكثر تعرضا للقلق والتوتر، كما يقل الوقت الذي نمنحه لأنفسنا ولذوينا من الأحبة، فلا نستطيع معرفة أنفسنا وتفضيلاتنا حق المعرفة، كما لا نستمع لأبنائنا وأصدقائنا بتركيز، ويزيد التشتت وتضيع منا اللحظات الهامة، ولكن يمكن الاستفادة من الحياة السريعة بتنظيم الوقت، ذلك أن وجود روتين يومي يساعدك على تنفيذ أهدافك في وقت أقل، وهو ما يمنحك الوقت لسرقة اللحظات الجميلة من الحياة السريعة التي تعيشها، فاغتنم تلك الفرصة عزيزي القارئ ولا تستسلم.

الكاتب: أحمد ياسر

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

خمسة عشر + 5 =