الحزم والليونة

الحزم والليونة صفتان متناقضتين، والحزم صفة إيجابية بالتأكيد، فمعني أن تكون حازماً يعني أنه سيكون لك شخصية مستقلة يهابها الجميع، ويضعونها في الحسبان دوماً. وبشكل أدق تفصيل، الحزم يعني أن تكون قادر على قول لا أو نعم في وجه من تريد، بدون أي تجريح و أهانه لمن تحدثه،  فعلي سبيل المثال هناك من يخشى أن يقول لا لشخص طلب منه خدمة ما، بينما هو مشغول بالفعل ولا يملك الوقت الكافي لأداء تلك الخدمة، وإن أداها سيؤثر ذلك على أداء باقي المهام المكلف بها، وعندما يحين وقت السؤال عن تنفيذ المهمة، ستكون النتيجة أكثر سوءاً وضرراً من مجرد الرفض في البداية،  لأن عدم قدرة الشخص على قول لا في هذا الموقف تعتبر أفتقاداً للحزم، لذلك فأن تكون حازماً سيوفر عليك عناءات كبيرة، منها أن شخصيتك ستكون معروفة للجميع بالوضوح، والكلمة التي تقررها لن يجادلك أحداً فيها سواء كانت نعم أم لا، بدون أن يشعروا بالخجل أو الأحراج لقراراتك أياً كانت، فهم قد اعتادوا منك على ذلك وتقبلوا شخصيتك.

وموضع حديثنا اليوم، هو الحزم والليونة ، وكيف يمكنك أن تكون حازما وليناً في الوقت نفسه، وهنا يلزم التوضيح بأنه لا يوجد تعارض مع الصفتين من الأساس، بل إن الحزم  والليونة قد يكونا وجهان لشيء واحد. فعندما تكون حازماً مع شخص ما فهذا لا يعني أنك شخص قاسي أو سئ، بل إن شخصيتك كذلك، واللين سيكون في المواقف التالية للحزم، فأنت بطبعك لين سهل التعامل مع الناس ولكنك لا تقبل أن يفرض عليك أحداً رأيه أو يجبرك على عمل شئ لا تريده، لذلك فلا تنافي بين الصفتين على الإطلاق. كما أن الحزم  لا يعني الوقاحة أو القسوة، فالحزم هو القرار المدروس الذي يراعي طبيعة الموقف الذي تقف فيه والشخص الذي تحدثه، أما القسوة والوقاحة ففيهما لا يراعي الشخص الظروف أو الموقف أو الشخص، فهو لا يضع أعتباراً لأي شئ. عندما تكون حازماً ستكون محط أنظار الكثيرين وقدوة لهم، فأنت إن كنت طيب أو لين معهم، فلن يتمكن أحد من استغلال طيبتك أو ليونتك معهم، لأنك تستطيع أن تقول لا عندما تريد، ولأي شخص، ولا يوجد من يجبرك على أي شئ.

الفرق بين الحزم والقسوة

يخلط البعض بين أن تكون حازماً وأن تكون قاسياً، والفرق كبير بين الصفتين، فالحزم هو صفة إيجابية وتعني القدرة على السيطرة واتخاذ القرارات، بدون ردود أفعال سلبية أو سيئة. أما القسوة فهي رد فعل مؤذي يؤثر على مشاعر الآخرين، ويجرح كبرياؤهم. فالشخص الحازم على دراية بأن ما يفعله ينفع الطرف الآخر خاصة إن كان مربياً، ويراعي المشاعر النفسية للطرف الآخر وللموقف، ويعلم ما يجب فعله وما يتطلبه الموقف كله. أما القسوة فهي رد فعل عدواني لا يراعي الموقف أو الحالة النفسية للشخص أو أي شئ، وطريق القسوة هو القمع والقهر وعدم التفاهم، على عكس الحزم الذي يعتبر وسيلة تربوية في الأساس، يمكن أن تستخدم مع الأبناء و بين الأزواج أو حتى تستخدم في التنمية الذاتية للطرف نفسه، لكي يكون شخصاً معتداً بنفسه، يعلم ما يريد، وكيف يحققه.

الحزم والليونة بين الأبناء

تسيطر شخصية الآباء على أولادهم دائماً، فالطريقة التي ينشأ عليها الأبناء  تؤثر فيهم وتظهر على سلوكهم فيما بعد، فالأم والأب الحازمين يساهمان في جعل شخصية أبنائهم مستقلة، قادرة على التكيف مع الناس و العالم، وسيكون لذلك عظيم الأثر في حياتهم المستقبلية.

وقد يقع الكثير من الآباء، والأمهات بشكل خاص في الخلط بين الشدة والحزم، ورؤيتهم التناقض بين الحب والحزم، وكل هذه أفكار خاطئة بالطبع. على المربي وخاصة الأم أن تتحلى بالحزم دائماً مع أبناءها وأن تسيطر على متطلباتهم، فمثلاً، إذا ألح عليها أحد الأطفال في أن يسهر أو يأكل مزيداً من الحلوى، أو يلعب…إلخ. يجب ألا يثنيها ذلك عن عزمها، ولا يجعلها تتأثر عاطفياً بما يقومون به من إلحاح حتى لو لجأوا إلى البكاء، يجب أن تقول لا وهي تعني لا والعكس صحيح، وذلك يساعد أطفالها على التزام النظام والاتباع الدائم لما تأمر به الأم، وسيكون هؤلاء الأبناء الأكثر أتباعاً للقوانين عندما يكبرون.

الحزم لا يعني أبداً الكره أو يعني أنكِ كأم لا تحبين أبنائك هذا بالطبع تفكير خاطئ، حتى إذا انتقدك أحد أقاربك فلا تسمحي لأحد بالتدخل في تربية أطفالك. و نصيحة دائمة يجب أتباعها في التربية، أن الحزم  يجب أن يقترن بالحب والليونة دائماً، بمعنى أن لا يكون الحبل مشدوداً على آخره أو مرخياً لآخره ، بل يجب التنويع بينهما، لأن الحزم الغير مقترن بالحب سيفسره الطفل على أنه كرهاً وعدم مراعاة لما يشعر به، بينما الحقيقة عكس ذلك، وعدم الحزم سيخلق طفلا مدللاً متسيبًا لا يحترم أي شخص أو شئ  حتى والديه.

الحزم والليونة بين الأزواج

لنتفق بداية أن ليس كل البشر متساوون، وما ينفع مع شخص، قد لا ينفع بالضرورة مع شخص آخر، والحزم بين الأزواج يسير على نفس النسق، فبعض الأزواج، سواء كان زوجا أو زوجة، يمكن أن يتفاهموا باللين والهدوء، والبعض الآخر قد لا يأتي بهذا الأسلوب أبداً، لذلك فلابد لأي شخص أن يحتفظ بشخصيته الحقيقة كما هي أمام شريك حياته، لأن الطرف الآخر قد يستغل اللين وانعدام الحزم  في كثير من المواقف، سيؤدي ذلك إلى اختلاف في التعامل، لأن اللين سيعطي انطباعا بعدم الاحترام في بعض الأحيان، وقد يستغل من الطرف الآخر. فمثلا إذا رأت إحدى الزوجات أن زوجها لين معها في مصاريف المنزل وفي الخروج والدخول، ستتمادى في ذلك دون حسبان، ستنفق أموالاً كثيرة ولن تراعي مدى احتياج المنزل إلى هذه الأموال من عدمه، طالما أنها وجدت الأمر سهلاً ولا يوجد من يحاسبها. وستبالغ في الخروج والدخول لأتفه الأسباب على حساب بيتها وأطفالها، وبالطبع هذا الكلام لا ينطبق علي جميع النساء، كما سلف وذكرت، لذلك فالحزم ضرورة بين كثير من الأزواج، والأمر لا ينطبق على الزوجات ويهمل الأزواج بالعكس، فقد يكون الزوج، وهو الأكثر شيوعاً، يميل إلى أهانه زوجته وتهميشها وتحطيم مكانتها، والزوجة صامتة لا تقوم بأي ردة فعل وكل هذا سلوك سلبي  خاطئ، فإن لم تكن الزوجة حازمة منذ البداية تجاه أي فعل سلبي يقوم به الزوج، لن يتوقف عما يفعل وسيتمادى في ذلك.

هل الحزم ضروري؟

إجابة السؤال يجب أن تحدده أنت عزيزي القارئ، فإن كنت تواجه مشاكل عديدة بسبب عدم قدرتك على أحراج شخص ما أو قول لا في وجهه، فبالتأكيد هذه مشكلة تؤرقك، وهذه أكبر مشاكل انعدام الحزم في رأيي، لأن الموضوع متشعب ومرتبط بنقاط كثيرة، فإن لم تكن حازماً لن تقدر علي أن ترفض وضعك السيئ في العمل، ولن تقدر على منع أي شخص من مضايقتك، ستظل أثير رأيك وخجلك، وستفقد أشياءً كثيرة حولك بسبب خوفك من القول أو التحدث، أو حتى مجرد التعبير عن رأيك. أعلم أن الأمر خارج عن إرادة الكثيرين، والعديد من الناس يرغبون على أن يكونوا أصحاب شخصيات حازمة، وأن الأمر قد تكون له جذوره النفسية، التي تعوقهم عن فعل ذلك، لكن الخطوة الأهم، هي أتخاذ القرار الفعلي والرغبة الصادقة في أن تكون حازما، فهذه  هي بداية الطريق الصحيح، لتكوين شخصية قوية حازمة.

كيف تجمع بين الحزم والليونة ؟

الحزم  هو صفة شخصية أولاً وأخيراً، وإن كنت حازماً فستتحلي بعدة صفات مميزة في حياتك. فابتداءا من أن رأيك سيُحترم ولن يجادلك أحد في قراراتك، إلى أن قدرتك على الحزم ستملأك بالرضا والثقة بالنفس، لذلك فإن كنت من الأشخاص الانطوائيين أو الخجولين، فإليك بعض النصائح التي يمكن أن تساعدك في أن تكون حازما:

  1. أن تكون حازما لا يعني أن تكون وقحاً أو قاسياً مع الناس، فأنت تعبر عن رأيك الشخصي بكل هدوء واحترام، سواء اتفق رأيك مع الآخرين أم لا، لذلك فالنصيحة الأولي لكي تكون حازماً، عليك أن تحترم، رأي الآخرين مهما كان رأيك مخالفا لهم، وتتجنب الوقاحة بكل أشكالها.
  2. كن واضحاً دائماً، ولا تبرر لأحد عن اتخاذك لقرار بعينه، ولا تتلوي في القرار، أو تعبر عنه بطرق مراوغة، فكل ذلك ليس من الحزم في شئ، ولا توصل رأيك بعد عدد من المقدمات التي لا داعي لها، كل ذلك لا يدل على الحزم أبداً.
  3. عندما تتحدث مع أحد الأشخاص، يجب أن تراعي الأدب والسلوك العام، وتحترم مشاعر الآخرين، فحزمك لا يعني أن تجرح مشاعر الآخرين، حتى وإن كانوا مختلفين معك في الرأي.
  4. تذكر قبل كل شئ أن تحدد ماذا تريد، وأن تقرر بالفعل، ما هو قرارك المناسب، حتى لا يلتبس الأمر معك شخصياً، فالتردد قد يدمر قناعاتك تماماً، وسيتنافى مع الحزم ، كما يجب أن تحرص على التحلي بالثبات الانفعالي، فمثلاً إذا قال لك شخص ما رأي لا يعجبك فلا تتذمر أو تظهر سلوكاً شاذاً، لأن ذلك سيدمر كل شئ، وسيشوه نظرة الناس عنك.
  5. لا تتعصب وكن هادئاً، وتعامل بطبيعتك، وتجنب أن يظهر عليك أي علامات للتوتر أو القلق، لأن كل ذلك سيعكس انطباعا سلبيا عنك، ولا تنسي أن تراعي وضع جسدك وعينيك أثناء الحديث، فكن مستقيم القامة، لا تميل أو تنحني وانظر بعينيك إلى أعين من تحدثه.
  6. اختر الوقت المناسب للحديث، فعندما تقرر أن تعبر عن رأيك، أو تخبر أحدهم بقرارك، لا تحدثه وهو يأكل أو وهو مستيقظ من النوم، أو  وهو يستشيط غضباً، فكل ذلك سيعطي ردة فعل سلبية عنك.

سيتطلب كل هذا منك وقتاً ومجهوداً، ويختلف بالطبع إن كان الشخص الراغب في أن يكون حازماً، انطوائيا أو غير أجتماعي. والموضوع نسبي بشكل عام، سيختلف من شخص لآخر حسب قدرته على التكيف والمواجهة. تدرب على قول أنا وتشجع في الاعتراض، وتعلم أن تقول لا. فأن قول لا لن يسيئ إليك في شئ بل سيعطي انطباعاً يدل على أنك ذو شخصية قوية، واثقة من نفسها، وستكون قدوة للكثيرين، فأنت شخص قادر على التعبير عن رأيك بحرية وأدب دون أن تتسبب في مضايقة أي أحد، الحزم صفة رائعة تضيف الكثير لكل من يتحلى بها، فلا تفوق على نفسك فرصة التحلي بصفة كهذه وبإمكانك الجمع بين الحزم والليونة كما رأيت في المقال أعلاه.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

8 − ثلاثة =