الثناء

الثناء أمر بالغ الروعة لنا جميعا، والأمر ليس متعلقا بنقص الثقة بالنفس، ولا نحب الثناء أيضا لنقص ما نشعر به ونبحث عن طريقة مناسبة لسده، بل هي حاجتنا الفطرية للتآلف والاندماج مع من حولنا، والإنسان كائن اجتماعي يبحث عن التآلف، ويبحث عن الانخراط في الدوائر الاجتماعية المختلفة، ويعتبر الثناء هو تذكرة المرور الذهبية للدخول إلى كافة أنواع العلاقات، وبدون الثّناء نشعر بغياب العائد من كافة أفعالنا والجهد المبذول فيها، وعلى العكس من ذلك يشعرنا الثّناء بأهميتنا لدى الآخرين، ويمنحنا المزيد من الثقة بالنفس، كما يقربنا أكثر من المحيطين بنا، ويضمن لنا علاقات ناجحة سعيدة، والأمر ممتع في ذاته، ولكنك قد لا تحصل عليه بسهولة، ولا يتعلق حرمانك من الثناء بتقصيرك في أي شيء، وكل ما في الأمر أنه لا يجيد أغلبنا جذب الثّناء من المحيطين بنا، وسنناقش في هذا المقال ماهية الثناء وأهميته، كما سنفرق بينه وبين المدح، وسنمنحك الطرق الذكية والفعالة لتحصل على أكبر قدر من الثناء ممن حولك.

ماهية الثناء وأهميته

الثناء ماهية الثناء وأهميته

يتكرر الحديث عن الثّناء دون تعريفه، وهو خطأ محوري نرتكبه عند الحديث عن أي موضوع، ومن الأهمية بمكان تعريف الأشياء قبل الحديث عنها، وهو ما ندعوه في البحث العلمي بالإطار المفاهيمي، و الثّناء ليس مجرد المديح أو الإشادة ببعض التصرفات، كما لا يقتصر الأمر على نوع معين من المجاملات، بل أنها عادة ما تكون حقائق وليست مجاملات، ذلك أن الثناء هو كل إشادة تمتدح صفة أو فعل أو سلوك، وتقترن بالرغبة في الشكر، فمن يقوم بتقديم الثناء على شيء ما قمت به يكاد يصفق لك عليه، وتكمن أهمية الثّناء فيما نشعر به من تقدير بسببه، فيمثل لنا الثناء نوع من التقدير لذواتنا ولشخصياتنا وللجهد الذي نبذله في أي فعل نقوم به، فعندما لا نحصل على الثّناء ممن حولنا نشعر بالاغتراب عنهم، خاصة عندما نقوم بما يرهقنا من أجلهم، كما قد يشعرنا غياب الثّناء بعدم رغبتهم في استمرار علاقتهم بنا، وهو مهم أيضا لزيادة المودة والحميمية بين البشر.

الفرق بين الثناء والمدح

يقوم البعض بالخلط الخاطئ بين الثّناء والمدح، وبالرغم من تشاركهما في كثير من الجوانب إلى أن الثناء أوسع من مجرد المدح، فيشمل الثناء المدح الذي نحصل عليه من المحيطين بنا، سواء تعلق المدح بصفات جيدة فينا أو بمهارات لدينا أو مدح بعض الأعمال الجيدة التي نقوم به، لكن يزيد الثّناء على المدح بعنصر عظيم الأهمية، وهذا العنصر هو الامتنان، إذ في الثّناء يمتزج المديح بالشكر، فهو ليس مجرد إشادة مجردة، وليس تعليقا عابرا على الإعجاب ببعض الأمور وحسب، بل يقوم الثّناء على الرغبة في الشكر على أمر ما ولكن بطريقة جمالية، كما يقوم الثناء على رغبة من يقوم به في تقدير الآخر أيضا، فهو لا يجامل أو يمتدح فعلا فحسب، بل يشكرك عليه ويقدر المجهود الذي بذلته فيه، وفي الوقت ذاته يخبرك ضمنيا باستعداده لمبادلتك الأمور الجيدة، وتشعر خلال الثناء على أمر ما أن من يقوم به يعدك ضمنيا برد المعروف لك عندما تتاح الفرصة لذلك.

لماذا يبخل البعض في الثناء؟

الثناء لماذا يبخل البعض في الثناء؟

الثناء على الآخرين ليس سهلا على جميع النفوس، فهناك من النفوس المريضة التي تجد صعوبة في الاعتراف للآخرين بحسن صنيعهم، وهؤلاء هم من يضعون أنفسهم دوما في مقارنات مع غيرهم، فيصعب عليهم الاعتراف بتفوق أحد عليهم في أتفه الأمور وأبسطها على الإطلاق، فيفضلون إنكار كل ما هو جيد في شخصك وأفعالك، ولكن تظل هناك أسباب أخرى للبخل في الثّناء على البعض، ولا يتعلق الأمر بمن يقوم بالثناء، بل بالمتلقي، وأقصد هنا ردود الأفعال السيئة التي يفعلها البعض عند الثّناء عليهم، فمنهم من يبالغ في الخجل، ومنهم من يسيء فهم الأمور فيضخمها أو يشكك في الغاية من الثناء عليه، كما يقوم البعض باستقبال الثّناء بأسوأ طريقة ممكنة، وأقصد هنا استقبال الثناء والمديح الممتزج بالشكر بالغرور والغطرسة، وهو رد الفعل الذي يجعلك تندم على نعمة النطق التي دفعتك للثناء على هذا الوغد المتغطرس، وهذا أمر شائع للأسف، فمن الناس من يجعله الثّناء يتفاخر كالطاووس على المحيطين به.

لماذا يحصل البعض على ثناء أكثر؟

لعلك تندهش عندما ترى حجم الثناء الكبير الذي يحصل عليه البعض مقارنة بغيرهم، وهو ثناء غير مرتبط بجودة شخصياتهم أو بحجم الأفعال الجيدة التي يقومون بها، فتلاحظ مثلا أن أخيك يحصل على الثّناء الكبير لو جلب طلبات المنزل مرة واحدة في الشهر، بينما تجلب أنت نفس الطلبات باقي الشهر ولا تحصل على أي شيء، وربما تجد الثناء على تفوق بعض الطلبة بالرغم من قلة معدلاتهم الدراسية مقارنة بغيرهم، وهو أمر معقد يحتاج للهدوء والتركيز، فبعض الثناء يأتي من الرغبة في التشجيع، ويأتي الثّناء أحيانا من البعض لرغبة لديهم في الاقتراب أكثر من الشخص الذي يمنحونه الثناء والمدح، فعندما يعجبك شخص ما وتحب صحبته تجد نفسك تسارع في تقديم الثناء له بشكل عفوي، فيكون الأمر مدفوعا بهدف الاقتراب وزيادة الود وتقوية العلاقات، كما ينجح البعض في إبراز أفعالهم وشخصياتهم، وهو ما يمكنهم من الحصول على أكبر قدر ممكن من الثّناء مقارنة بغيرهم، ويمكنك محاكاتهم بسهولة.

كيف تبرز أفعالك لتحصل على الثناء؟

أحيانا ننتظر الثناء ممن حولنا بطريقة خاطئة، فنقوم بالأفعال الجيدة ولا نهتم بمعرفة أحد بها، ونتعامل مع هذا كما لو أنه يفقدنا الثواب، وكأننا عندما نطلب التقدير أو بانتظار الشكر على حسن صنيعنا نكون بهذا نمارس الغرور، وهو اعتقاد خاطئ في الواقع، فجميعنا نستحق الثّناء على شخصياتنا وأفعالنا، كما أنه من البديهي أن ننتظر المعنى للجهد الذي نبذله في كل شيء، فهذا هو حقنا، ويجب حسم تلك المسألة قبل أي شيء آخر، فيجب معرفة أن ما نقوم به تجاه الآخرين ليس حقوقا مكتسبة لهم، بل هو جميل المعروف منا، وهذا الاعتقاد هو ما يجعلك قادرا على الحديث بثقة عما تفعله لأي شخص، وبهذا يمكنك أن تلفت انتباهه، وإبراز أفعالك ومجهودك في القيام بها هو أول خطوة في الحصول على الثناء من المحيطين بك، والخطوة الثانية هي التوقف عن الاختباء، فكلما سمحت لشخصيتك بالظهور كلما حصلت على قدر أكبر من الثناء من المحيطين بك، فانطلق.

الثناء ككرة المضرب

يجب ممارسة الثناء مع الآخرين قبل الرغبة في الحصول عليه، فمن البديهي أن يمتنع البعض عن امتداح من لا يرى فيهم أي شيء جيد على الإطلاق، فالأمر أشبه بكرة المضرب، ما تدفعه بمضربك يرد إليك، فإن توقفت على انتظار الثناء من الآخرين والتلقي السلبي فلن تحصل عليه مطلقا، والسر في ذلك هو كراهية الجميع لتجاهلهم وتجاهل أفعالهم، وعلى العكس من ذلك فمبادرتك بالثناء على صفات وتصرفات البعض تبهجهم، كما تمنحهم الشعور بالتقدير، وتؤدي أيضا إلى زيادة رغبتهم في الاقتراب منك، كما تمنحك محبتهم، وهو ما يجعلهم يبادرون هم أيضا بتقديم الثناء على شخصك وأفعالك، وتلك معادلة واضحة لم تفشل يوما، فكلما مارست الثّناء مع من حولك حصلت عليه منهم، فقط عليك تجربة ذلك، قم بشكرهم على الأفعال الجيدة التي تصدر عنهم، وقم بالإشادة بكل جميل تراه فيهم، سيجعلك هذا مميزا بالنسبة لهم، وسيمنحك المكانة التي تفضلها لنفسك، وسيعود عليك هذا الوضع بأكبر قدر ممكن من الثناء الصادق.

كن مميزا

الثناء كن مميزا

إن أردت الثناء من الآخرين عليك بالتميز، فلا أحد يحب الثناء على الأفعال العادية والسلوكيات المعتادة، فيصعب ملاحظة تلك الأمور ومجرد رؤيتها، فالناس يقدمون الثّناء لمن يشعرون بتميزه وقيمته، ويبحثون دوما عمن يمكنهم التعلم منه، ولتصبح مميزا في أعينهم عليك ببعض الأمور، وأهمها على الإطلاق أن تتحلى بالصفات الأخلاقية، فلا قيمة لأي شيء يقوم به شخص وغد فاسد الأخلاق، عليك التحلي بالشجاعة والأمانة، وعليك النجاح في العمل ومساعدة الآخرين على ذلك أيضا، والشخص المميز أيضا هو من يثق بنفسه، فلا يكون ضعيفا ولا جبانا، والشخص المميز هو الذي يحترم نفسه كما يحترم الآخرين، وهذا التميز هو الذي يعود على أي شخص في صورة الثناء والمدح والإشادة، فكن نفسك وتميز فيما تفعله وستحصل على الثّناء من المحيطين بك في كل مناسبة.

الثناء هو أفضل ما يمكن لإنسان الحصول عليه، ومن الطبيعي أن ننتظره ونبحث عنه، وليس عيبا الاعتراف بهذا الأمر، فهذا الثّناء هو الذي يمنحنا الشعور بالحب والتقدير من الآخرين، وهو ما يضفي القيمة على ما نمتلكه من صفات، وعلى ما نقوم به من أفعال، والبعض يبخل في تقديم الشكر للآخرين بدافع النقص الذي في داخلهم، فيعتبرون العالم في تنافس معهم، كما يصعب عليهم القبول بتفوق أحد عليهم، وتوجد أسباب كثيرة لعدم حصولك على الثناء، تحدثنا عن تلك الأسباب وذكرنا كيف يمنحك التواضع المزيد من الثّناء من المحيطين بك، ويساعدك إبراز أفعالك على الحصول على الثناء، وأخيرا يجب أن تثني على الآخرين وخصالهم وأفعالهم حتى تحصل عليه منهم، وبالتميز يلتف الجميع حولك ويثنون عليك، جرب ذلك وستجد ما تبحث عنه بسهولة.

الكاتب: أحمد ياسر

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

15 − 5 =