التجسس على الشعوب

مراقبة تصرفات الناس أو بمعنى أخر التجسس على الشعوب هو تقليد اتخذته كل الدول تقريبا على مر التاريخ، فبداية من الدول القمعية السلطوية حتى الدول الأكثر تفتحا وشفافية مع مواطنيها قامت بذلك. لكن تطبيق الأمر بالطبع اختلف من حيث الآليات والأهداف. ففي الغالب في الدول الأكثر قمعا وسيطرة على شعوبها يقوم الأمر على القوة المحضة، فنجد التجسس على الشعوب هو أمر لازم لاستمرار الدولة؛ فمراقبة المواطنين ومعرفة ردود فعلهم ورأيهم في حكامهم أمر لا يجب أن يترك بدون مراجعة وكذلك تنقيح. الأمر يعتبر على النقيض في الدول التي تحترم خصوصية مواطنيها وتلتزم بمدى كبير من الشفافية والأمانة مع شعوبها، فنجد التجسس على الشعوب هو أمر غير موجود بالمرة بشكله السري؛ إنما مراقبة تصرفات الناس على أساس دستوري لا يخالف القانون أو مجرد إجراء واجب ومعلن أمام الجميع لقياس مدى رضى الجماهير على قرار سياسي ما أو خدمة ما تقوم بها الحكومة.

هل التجسس على الشعوب أمر واجب؟

التجسس على الشعوب بمعناه التقليدي السيئ؛ وهو مراقبة سرية منظمة لتصرفات وردود فعل الجماهير من قبل الحكومات يتبعها إجراءات قمعية تسعى لنشر وجهة نظر أو رأي ما وإقصاء رأي أخر تعتبر أمر مرفوض لدى الكثيرين أو على الأقل طبقا لأغلب الدساتير ومواثيق حقوق الإنسان. فمن حق الإنسان أن يحظى بحرية التصرف والتعبير عن رأيه دون أن يتم اضطهاده. لذا فبالمعني العالم السائد الأمر غير مقبول إلا باستخدام القوة الجبرية حيث لا صوت يعلوا. من ناحية أخرى يجب الالتزام بالشفافية والمصداقية تجاه الشعوب في أي تصرف قد يمس خصوصيتهم من قبل مؤسسات الدولة الحاكمة. إلا أن الدول بالطبع لها الحق في التجسس على البعض في حال تم الاشتباه بتنظيم أحدهم لعمل إرهابي أو التنظيم لجريمة تستهدف الأشخاص أو المؤسسات.

أنواع التجسس الإلكتروني

كما أسلفنا الذكر عن دور التكنولوجيا الرهيب في تسهيل المهمات الخفية في التجسس على الشعوب، فأن الأمر يزداد تقدما باطراد مع مرور الزمن وزيادة التقدم التقني. وبرغم كل الجهود المبذولة في مجال حماية المعلومات والخصوصية وكم التطور الذي تقوم به شركات حماية المعلومات إلا أن مهمة الاختراق تزداد على الجانب الأخر في سباق دامي.

التجسس على البريد الإلكتروني

لعلنا سمعنا مؤخرا عن فضيحة التجسس على البريد الإلكتروني التي ذاع صيتها خلال الانتخابات الأمريكية الأخيرة والتي تسببت بإقصاء المنافسة التي تم اتهامها بتهم تخابر والقيام بصفقات مشبوهة للوصل لمقعد رئيس الجمهورية. تعد أسهل الطرق الممكنة للتجسس على أحدهم هي اختراق بريده الإلكتروني، فبوجود مخترق أو هاكر محترف يمكنه القيام بالعملية في زمن قياسي والأمر سيكون مهم للبعض بالطبع إذا كان المخترق هو شخصية عامة خصوصا لو كان في مجال السياسة. فبوجود بعض الثغرات البرمجية التي يجدها المبرمجون المحترفون لموقع ما أو منصة ما، يمكنها أن تسبب الكثير من تسريب المعلومات وكذلك مشاكل لخصوصية الطرف المتجسس عليه.

التجسس على الهواتف والمكالمات

التجسس على الهواتف والمكالمات هي أكثر طرق التجسس على الشعوب شيوعا في الدول القمعية، فبالنظر للتاريخ نجد الدولة السوفيتية القديمة التي كانت تعتبر رائدة في التجسس على شعوبها عن طريق الهاتف وزرع ميكروفونات تنصت في إرجاء المنازل لتسجيل كل ما يفكر به المواطنين وكل ما يمكن أن يتحدثوا به مع بعضهم البعض. الأمر الذي صدرته لشقيقتها ألمانيا الشرقية فيما بعد، فشعب ألمانيا الشرقية كان مقسوم إلى نصفين، نصف يمكننا أن نطلق عليهم المواطنين العاديين والنصف الأخر هم موظفون حكوميون يتنصتون عليهم، تقريبا كان لكل مواطن موظف يتجسس عليه ويراقبه. قد يظن البعض أن التجسس على الشعوب عن طريق التسجيل الصوتي هو أمر بالغ الصعوبة أو يحتاج لمؤسسة حكومية مهيمنة لإتمامه، لكن هذا كان في الماضي، الآن هواتفنا النقالة أصبحت أجهزة تنصت نحملها بإرادتنا! قد يبدو الأمر غريبا بعض الشيء لكنه بات من المعروف مؤخرا أن الهواتف الذكية التي تعمل بنظام الأندرويد يمكنها أن تعمل كأجهزة تجسس محمولة؛ والتي تعتبر أكثر عرضة للاختراق عن غيرها لضعف نظم حمايتها نسبيا عن نظيراتها.

التجسس على بيانات الحواسيب

كلما زاد التقدم التقني كلما سهل على الإنسان قضاء مهماته اليومية، لكن على النقيض فإن المهمة قد تم تسهيلها للحكومات القمعية والمؤسسات الخطيرة في التجسس على الشعوب. قد يظن البعض بانه قد ضمن حماية خصوصيته من الانتهاك لكن الأمر أبعد مما نتصور، فالتجسس على الحواسيب يمكنه أن يتم بمحض إرادتك، فقط بالضغط على رابط أو الدخول لموقع مشبوه أو كذلك استخدام تطبيق مشبوه، فبمجرد كبسك على زر الوصول لأي من هؤلاء فأنت بطريقة أو بأخرى تفتح أمام المخترق جميع البيانات الشخصية لجهازك.

أكثر الدول رقابة على شعوبها

تحرص الكثير من الدول على مراقبة شعوبها مواكبة آخر التطورات التكنولوجية، فالاعتماد على الطرق التقليدية في التجسس على الشعوب أمر غير مجدي في العصر الحالي، لذا تسعى الكثير من الدول لفرض سيطرتها على مواطنيها حتى لو لجئت للتعاقد مع شركة إلكترونية لتطوير برامج تجسس أو استخدام برامج تواصل اجتماعي قائمة بالفعل. يتربع على عرش الدول الأكثر رقابة على شعوبها كوريا الشمالية، فالحزب الحاكم بكوريا الشمالية يسمح لنسبة لا تتعدى 4 % من الشعب بالوصول لشبكة الأنترنت العالمي والمسموح لهم هم نخبة الحزب الحاكم والقلة الموثوق بهم. والإنترنت هنا معني به شبكة إنترنت داخلية تخضع لإشراف الحكومة، أما خدمة النت العالمية فلا يسمح إلا للشخصيات الهامة فقط أو الأجانب بها مع الاحتياط بالتضييق على الأمر. يرافق كوريا الشمالية في الرقابة الصارمة على الأنترنت العملاق الصيني، الصين لم تكتفي بحجب المواقع التي تروج للحرية والآراء لسياسية المخالفة لسياسات الحزب الأحمر الحاكم، بل اتخذت قرار عام 2009 بمنع كل شبكات التواصل الاجتماعي الغربية من الاستخدام داخل الصين، نحن هنا لا نتكلم عن فيسبوك وتويتر فقط؛ فحتى جوجل ويوتيوب وموقع أمازون التجاري تم حجبهم وقامت الحكومة بالسماح لشركات محلية بإطلاق مواقع تواصل محلية للصين فقط أمثال QQ , We Chat وخلافهم الأمر لا يقتصر على هذا لكن البحث عن مواضيع سياسية تتحدث عن الثورات القديمة أو على سبيل المثال البحث عن ميدان تيانانمن؛ وهو الميدان الذي شهد مظاهرات ضد الحكومة عام1989، سوف يقوم محرك البحث بتحويلك تلقائيا لعناوين ونتائج بحث أخرى بعيدة عن المحتوى المراد رؤيته. الأمر وصل في الصين حد بدأ الصين بنظام تقييم أخلاقي اجتماعي على أساسه يتم تسهيل إجراءات معينة أو تسهيل استخدام المرافق أو على العكس في حالة كان التقييم ضعيف سوف يتم حرمانك من خدمات حكومية معينة في منظومة أشبه بمنظومة الثواب والعقاب.

مواقع التواصل الاجتماعي وانتهاك الخصوصية

تعتبر مواقع التواصل الاجتماعي هي الثورة المعرفية الجديرة بالذكر في القرن الواحد والعشرين، فوجود هذا الكم المذهل من البيانات في خوارزميات مرتبة وسهلة الوصول تحتوي على معلومات خاصة عن معظم سكان كوكب الأرض هو أمر معجز وخطير أيضا. فهذا الزخم من المعلومات قد يسهل مهمة التجسس على الشعوب بالطبع؛ والموجودة بموافقة أصحابها ودون إرغامهم على شيء، هو أمر غير مسبوق ومتقدم للغاية فجمع المعلومات في القديم كان يتطلب الكثير من الجهد وإقناع الناس بجدوى الأمر، ناهيك عن المبالغ الضخمة التي ترصدها وكالات الأمن القومي لمراقبة شعوبها والتي كانت عملية في غاية المشقة والجهد فيما مضى، أما الآن الأمر أسهل كثيرا فمن خلال منصة تواصل اجتماعي شهيرة وبعض المال يمكنك الحصول على ما تريد. وإذا كنت تظن أن معلوماتك التي تنشرها من خلال حسابات التواصل الاجتماعي خاصتك غير مهمة أو حتى كنت تظن أن الشركات التقنية العملاقة ستحترم خصوصيتك ولن تبيع بياناتك فأنت بحاجة لمراجعة رأيك والبحث قليلا عن الموضوع.

السيد جوجل

ماذا يعلم عنك جوجل؟ تقريبا أكثر مما تتذكره أنت عن اهتماماتك، ببساطة جوجل يقوم بتجميع كل المعلومات التي تتركها خلال تصفحك؛ المواقع التي تصفحتها، اهتماماتك التسويقية، ما المحتويات التي ستفضلها سواء مواضيع مكتوبة أو فيديوهات موقع YouTube والكثير من البيانات الشخصية والتفضيلات حتى لو سجلت بحساب Gmail الخاص بك من جهاز أخر سوف يقوم بتسجيل كل نشاط تقوم به باستخدام هاتفك الأندرويد أو من دونه، إضافة إلى انه يقوم بعمل خريطة تنقلات لك ليعلم ما الأماكن التي ستزورها وأيها سوف تفضل والأمر الأكثر إذهالا هو إن السيد جوجل يسجل مكالمتك الصوتية . كل هذا سيساعده بالطبع في تخصيص الإعلانات الموجهة إليك حين تتصفح أو تستخدم أحد خدمات السيد جوجل، ولعلها لا تعد مفاجئة أن تقف في مركز تجاري ما وتقف لتشاهد منتج ما في أحد المتاجر وتعود للمنزل لتكتشف أن هذا المنتج بالتحديد يظهر لك في إعلانات السيد جوجل المقدمة لك.

فيس بوك وتسريب المعلومات

عملاق التواصل وبنك البيانات حول العالم فيس بوك، لن نسأل الكثير عن فيس بوك بالطبع فيس بوك غني عن التعريف، لكن هل يمكن أن يكون فيس بوك أداة تسهل مهمة التجسس على الشعوب، كثيرا من الاتهامات طالت فيس بوك مؤخرا بخصوص تسريب المعلومات وتسهيله لمهمات تنتهك خصوصية مستخدميه. الأمر خطير وهام لدرجة أن مارك زوكربيرغ وشركته فيس بوك ماثلين أمام القضاء ومجلس الشيوخ الأمريكي لتبرئة أنفسهم من التهم التي تلاحقهم. الأمر تم تصديره على أساس أنه تسريب لمعلومات ما يزيد عن 50 مليون مستخدم للفيس بوك الأمر لم يقتصر على وجود الثغرة وتسريب البيانات بل استخدامه من جهة ثالثة لغرض سياسي وهو قياس أراء وتوجهات ناخبي الولايات المتحدة الأمريكية ومحاولة التأثير على أراءهم. وهو ما يدعي البعض بأن هذا ما حدث في الانتخابات الأمريكية الأخيرة. تسريب هذا الكم من المعلومات هو مؤشر خطير على خصوصية مستخدمي الفيس بوك فوجود فضيحة مثل تلك قد يكون الفيس بوك متورط بها عن عمد أو نتيجة إهمال إداري أو تقني، لكنها مؤشر خطير عن احتمالية تسبب منصات التواصل الاجتماعي في التجسس على الشعوب لصالح من يدفع أكثر.

كيف تحمي خصوصيتك من المراقبة؟

التجسس على الشعوب من قبل الحكومات ليس الخطر الوحيد الذي يمكنه اقتحام خصوصية الأفراد، فالكثير من المهوسين بالهاكينج والتجسس على الآخرين يمكنهم أن يكونوا ضارين للغاية، لذا وللحفاظ على الخصوصية يجب إتباع حزمة من القرارات التي سوف تقلل من إلحاق الضرر بخصوصيتك قدر الإمكان، فأولا يجب تحديد المعلومات التي تريد مشاركتها وتأثيرها عليك مستقبلا في حال تعرضت للانتهاك. ثانيا يجب ضبط إعدادات الخصوصية الخاصة بحساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي وكذلك البريد الإلكتروني الخاص بك. ثالثا كثر الحديث مؤخرا عن مشكلة تسريب البيانات والمعلومات من أجهزة الاتصال الخاصة سواء الهاتف الجوال أو الحاسوب، وينصح الكثير من التقنيين الاحترافيين بضرورة تغطية كاميرا الحاسوب في حال عدم استخدامها لإن البعض يعتمد على ذلك في التجسس على الآخرين وكذلك الجوال ينصح بإبعاده عنك حين تقوم بأمور هامة تخشى للجميع أن يعرفوها. يجب أيضا تجنب البرامج المقرصنة وأي تطبيق أو موقع يشتبه باستخدامه بيانات زواره من دون علمهم.

خاتمة

أخيرا للحفاظ على خصوصيتكم يجب تحري الدقة جيدا في حجم ومدى أهمية البيانات التي تشاركوها على الإنترنت، ويوصي خبراء الأمن المعلوماتي بالتحقق جيدا من أي برامج يتم تنصيبها على الحاسوب الشخصي وكذلك البرامج المقرصنة التي تعطي دخول مجاني لتطبيقات مدفوعة، ويجب الحذر كذلك عند استخدام منصات التواصل الاجتماعي، فالعالم يصبح أسهل مع التكنولوجيا ولكننه يصبح أكثر خطرا أيضا على السواء.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ستة عشر + واحد =