البهجة

ما هي البهجة ؟ وما هو هذا الإحساس الرائع الذي ينتاب الإنسان فينقله من حالة الملل واللامبالاة إلى حالة من الانتشاء والسعادة تغمره وتحسن من مزاجه، وتجعله كالطير المغرد يسعى إلى أن يشاركه الجميع هذا الشعور الرائع.

لا شك في أننا جميعا قد انتابنا هذا الشعور المذهل في مواقف عديدة من حياتنا تمر مرور الكرام دون أن نعيرها اهتمام، على الرغم من الأثر الرائع الذي تتركه في نفوسنا، ودون أن نتساءل لم لا نعيش هذا الشعور المبهج مرات ومرات؟ ولماذا لا يسود شعور البهجة معظم مواقف حياتنا فينقلنا من الشعور بالقهر والإحباط إلى شعور رائع بالنشوة والسعادة؟

هل يمكن أن يتخذ الشخص قرارا بأن يعيش سعيدا؟ وأن تكون البهجة أسلوب حياته؟

في رأيي المتواضع نعم، ممكن للفرد أو الشخص أن يتخذ قرارا بأن يعيش سعيدا مبتهجا. أما كيف ذلك فإن الأمر في غاية البساطة وبمعادلة بسيطة قوامها في البداية الإيمان بالله وقضائه وقدره والتسليم بذلك، وأن بعد الضيق يأتي الفرج بإذن الله، هذه الخطوة وحدها كفيلة بإشاعة الإحساس بالرضا، ومن ثم تقبل المواقف الصعبة التي يمر بها الإنسان بثبات وقوة.

- إعلانات -

وبما أن حياة الإنسان مجموعة قرارات يتخذها، فإن بإمكانه أن يتخذ من القرارات ما يجلب له السعادة، مثل ممارسة العمل الذي يحبه وينجح فيه، والارتباط بالفتاة التي يعشقها، تناول وجبة طعام مفضلة من وقت لأخر، ترتيب رحلة مع بعض الأصدقاء المقربين الذين يسعد بصحبتهم، والأهم من كل ذلك أن ندرك أن آخر شيء له دخل بالسعادة هو المال، فلا نتعلل به لغياب الشعور بالسعادة، فقد يكون أحد العوامل المساعدة، لكنه أبدا لم ولن يكن المصدر الرئيسي للسعادة، بل أن الإنسان بمقدورة أن يعيش حياة سعيدة مهما كان ما بين يديه من المال بسيطا، فجلسة حب ووئام بين أفراد الأسرة جالبة للسعادة أكثر من أي شيء آخر.

وفي السياق نفسه لابد أن ندرك أن هناك نوعية من البشر أقل ما يقال عنها أنها محبطة ونكدية، لا ترى إلا نصف الكوب الفارغ والتقصير والسلبيات، وتنظر لما في يد الغير، ولا تقنع أبدا لما بين أيديها من نعم. لذلك لابد أن ينتبه الإنسان لنفسه وتصرفاته وتعاملاته مع الآخرين، كأن يكون ودودا بشوشا متسامحا، يختار كلماته بدقة فلا يجرح الآخرين، ويكون دائما مصدر البهجة والسعادة لمن حوله فيكون بالتالي محبوبا مرحبا به فيمن حوله، يستبشر الجميع بقدومه ويفضلون صحبته.

كيف يمكن صناعة البهجة

بإمكان الإنسان أن يعيش إحساس البهجة، وأن يحرص على ذلك بل ويصنعه بنفسه، ولا ينتظر أن تأتي إليه مصادفة. كيف يفعل ذلك؟ الأمر في غاية البساطة، فسماع أغنية مفضلة، أو قطعة موسيقية مرتبطة بذكريات لطيفة، أو مهاتفة صديق حميم يتبادل مع الحديث الشيق، أو مجالسة الأهل والأصدقاء المقربين، أو الخروج في نزهة مع رفيق أو حبيب، ويحبذا لو انفرد بكتاب لأحد الكتاب الرائعين المفضلين لديه. في الواقع أننا لو تتبعنا المواقف والقرارات التي يمكن أن تدخل البهجة والسعادة على قلب الإنسان لن نستطيع حصرها، ولذلك نكرر مرة أخرى، السعادة قرار والشعور بالبهجة قرار سارع باتخاذه وأبعد عن كل ما يغضبك واخرج بسرعة من شعور الملل والضيق إلى رحابة السعادة والبهجة والنشوة.

ما هو تأثير شعور البهجة والسعادة والنشوة على الإنسان؟

آه يا صديقي لو علمت بفوائد تلك المشاعر الإيجابية عليك، وفي نفس الوقت تأثير المشاعر السلبية التي يتعرض لها الإنسان، يكفي أن تعلم أن معظم الأمراض الخطيرة التي تصيب الإنسان سببها الأول هو الشعور المفاجئ بالإحباط، أو سماع خبر محزن، أو صدمة الإنسان في صديق أو فقد مال أو ضياع فرصة، كل تلك المشاعر السلبية كفيلة بأن تعرض الشخص لأمراض خطيرة كفانا وكفاكم الله شرها، بينما في المقابل فإن عمق الإيمان بالله وتقبل قضائه بثبات ورضا يكفل له الخروج من تلك الأزمات سريعا، وبالتالي يجنبه التعرض لتلك الأخطار، فيجب على الإنسان تجاوز تلك المواقف بسرعة، والنظر للحياة بنظرة تفاؤل وثقة بالله في أن القادم أفضل، ويبدأ فورا باستبدال تلك المشاعر السلبية بمشاعر إيجابية ملؤها التفاؤل و البهجة فتكون له صمام الأمان من كل ما ذكرناه من مخاطر.

أضف إلى ذلك المزاج العام للشخص وهو يعيش البهجة والسعادة والتفاؤل، حيث يكون المزاج رائقا وقادرا على استيعاب المواقف المختلفة، ناجحا في حياته محبوبا ممن حوله، قادر على أن يستمتع بمباهج الحياة.

دور الأبوين في إشاعة البهجة داخل المنزل

يا ليت الأبوين يدركان أن بإمكانهما أن يكونا مصدرا لسعادة الأبناء، وأن يسعيا إلى إكساب الأبناء مهارة أن يعيشوا سعداء وقادرون على مواجهة الحياة بمصاعبها، فالسعادة قوة حقيقية لمواجهة التحديات بثبات ويقين وثقة في النفس بالقدرة على التغلب على تلك التحديات، وعليه يجب على الوالدين الحرص على إشاعة البهجة والسعادة في البيت فتحقيق المطالب البسيطة للصغار تدخل البهجة على حياتهم، كما أن التشجيع وكلمات الإطراء تكسبهم الثقة في أنفسهم، واستبعاد نعتهم بما يجرحهم مثل وصفهم بالغباء والتخلف إلى باقي تلك الصفات المؤذية لمشاعر الأطفال خصوصا لو حدثت أمام الغرباء.

أيضا من الضروري أن تسود مشاعر الود والمحبة الوالدين، وأن يجهرا بذلك أمام الأطفال ليكونا قدوة لهم في تبادل مشاعر الحب والود فتكون نشأتهم سوية خالية من العقد النفسية التي كثيرا ما يتسبب فيها الأبوان عن جهل وعدم دراية.

مسئولية المدرسة في إشاعة البهجة بين التلاميذ

من الضروري أن يدرك القائمون على العملية التعليمية أن المدرسة ليست وسيلة تلقين المعلومات، وهي أقرب إلى السجن للصغار ووسيلة تهذيب وردع باستخدام العنف، بل يحل محل ذلك أساليب التربية الحديثة التي تجعل من المدرسة أحد وسائل البهجة والسعادة في حياة التلاميذ، حيث يجدون إلى جانب الدراسة فرصة للمرح وممارسة الأنشطة المحببة إليهم، وسماع الموسيقى والأغاني، والخروج في رحلات ممتعة مع الزملاء والرفاق، وأن يستبدل المدرسون العصا بتوجيه الصغار بأسلوب حضاري وفكر مستنير، وأن يدرك المدرسون أنهم بقدر ما كانوا يتسمون باللطف والبساطة مع التلاميذ بقدر ما اكتسبوا محبتهم وطاعتهم.

- إعلانات -

روح البهجة في العمل أحد وسائل زيادة الإنتاج وإتقان وسرعة الأداء

إذا استطاع رئيس العمل أن يجعل العاملين يأتون إلى العمل يغمرهم شعور البهجة والرضا فقد نجح تماما في عمله كرئيس أو مدير عمل ويمكنه أن يحقق ذلك من خلال أسلوب تعامله مع مرؤوسيه باللين والعلاقات الطيبة، وأيضا بالحزم واستخدام أسلوب الثواب والعقاب وألا يميز بينهم إلا بمقدار إجادتهم وإخلاصهم في العمل، ومع ذلك فالمدير الناجح بإمكانه وضع البرامج الجذابة، والتي تساعد العاملين على الارتباط بالعمل وبذل الجهد لإتقانه، فمثلا تنظيم رحلة جماعية في عطلة نهاية الأسبوع للعاملين كفيلة بإزالة الخلافات البسيطة التي تنشأ بينهم، وتجدد نشاطهم وتشحن طاقتهم للعمل بهمة ونشاط، أيضا تقرير بعض الجوائز والهدايا العينية في مناسبات مختلفة مثل إنجاب مولود، أو هدايا الزواج مع احتفال بسيط بالمناسبة كفيل بإشاعة جو من البهجة والمرح لدى الجميع.

وهكذا اكتشفنا معا أننا ببعض القرارات البسيطة يمكننا تحقيق الكثير من السعادة و البهجة في حياتنا وحياة من حولنا.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا