الأمراض المناعية

انتشرت في السنوات الأخيرة ظهور أمراض يطلق عليها الأمراض المناعية حتى اعتبرت من الأسباب العشر الأولى المسببة للوفاة فيما قبل عمر 56 عاما! فيا ترى ما معني كلمة الأمراض المناعية ؟وهل تختلف نسبة الإصابة بها في الإناث عن الذكور؟وما أكثر تلك الأمراض خطورة وأكثرها انتشارا؟وهل يمكن التعافي من أمراض المناعة الذاتية بشكل نهائي.

الأمراض المناعية : المشكلة والحل

1إطلاق النار على قواتنا!

الخلايا اللمفاوية داخل الجسم لها علاقة وطيدة بالجهاز المناعي لأنها تقوم بحفظ الجسم وحمايته من المكونات الضارة “المستضدات”. يتم إنتاج الأجسام المضادة التي تحارب وتهاجم كل ما قد يؤذي الجسم من فيروسات وبكتيريا وخلايا سرطانية وغير ذلك مما قد يؤثر على نشاط الجسم.

في حالة حدوث خلل في الجهاز المناعي”أمراض المناعة الذاتية” تتحول تلك الأجسام المضادة من كونها حماية ودفاع عن الجسم من كل ما يضره إلى دور المهاجم للجسم والمدمر لأنسجته الطبيعية لأنها تفقد القدرة على التمييز بين خلايا الجسم نفسه وبين الخلايا الضارة للجسم.

الجهاز المناعي للمرضى الذين يعانون من أمراض المناعة الذاتية (Autoimmune diseases) يكون غير قادر على التفرقة بين خلايا الجسم والأجسام الخارجية التي تهاجمه، ونتيجة لذلك، فانه يفرز بعض الأجسام المضادة التي تبدأ في مهاجمة خلايا الجسم نفسه.

بمعنى آخر فإن الأمراض المناعية الذاتية تتمثل في عدم قدرة الجهاز المناعي على التمييز بين العدو الخارجي وبين الجسم نفسه والذي يترتب على ذلك هو أن الجهاز المناعي يقوم بمهاجمة أنسجة الجسم، فأحيانا يهاجم خلية واحدة وأحيانا يهاجم جهازا بل أحيانا يهاجم العضو بكامله وإذا أردنا أن نضرب مثالا حيا لما يحدث أن الجيش المسئول عن القيام بالمعركة لا يتعرف على أعضائه فيقوم بإطلاق النار عليها كما يقول المثل “إطلاق النار على قواتنا”.

2مما يتكون جهاز المناعة لدى الإنسان؟

يتكون الجهاز المناعي من خلايا، أنسجة، أعضاء وأيضا مواد كيميائية مسئوله عن مهاجمة الميكروبات والأجسام الغريبة. كما أن الأجسام المضادة هي مواد بروتينية من المواد الكيميائية المسئولة علي مهاجمة الميكروبات وتتواجد علي شكل حرف Y وهذه المواد البروتينية منتشرة في جميع سوائل الجسم بداية من الدم والدموع وغير ذلك من سوائل الجسم.

3لم يعد النساء هم الأكثر عرضة للأمراض المناعية الذاتية؟

تنتشر أمراض المناعة الذاتية أكثر بين النساء حيث تصل إلى 1:2 بالنسبة للرجال وعندما بحث العلماء عن السبب العلمي لذلك وجدوا أن الجهاز المناعي عند النساء أقوى منه عند الرجال، لذا فعند حدوث خلل في الجهاز المناعي الذي يتسم بالقوة الأكثر فإن الضرر الذي يقع على خلايا الجسم وأنسجته يكون أكثر وأشد حتى إنه في بعض الحالات يؤثر على مسار الحمل عند النساء.

4أسباب أمراض المناعة الذاتية

أولا: العامل الوراثي

يسمى تحديد البصمة الخاصة لكل إنسان مولد المضاد الليمفاوي البشري و هو بروتين محدد موجود على الجدار الخارجي لكل خلية، وتلك البصمة هي التي تميز كل إنسان عن غيره ولا يمكن أن تتشابه أو تتكرر إلا في حالة واحدة ألا وهي التوأم المتطابق، وقد توصل العلماء في العصر الحديث أن تلك البصمة هي التي تحدد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض المناعية الذاتية حيث أن بعض العائلات التي تحمل نفس نوع البصمة الجينية تكون عرضة للإصابة ببعض الأمراض كمرض السكر ومرض الروماتيزم.

ثانيا: المشابهة في التركيب الكيميائية

عندما يحدث عدوى بأحدي الميكروبات أحيانا تشبه تلك الميكروبات في تركيبها الكيميائي خلايا أخرى داخل الجسم، فيفرز الجهاز المناعي أجساما مضادة تحارب تلك الميكروبات، وقد تخطئ تلك الأجسام فتهاجم العضو الذي تشبه خلاياه الميكروب في التركيب الكيميائي.

ويحدث ذلك في الإصابة بالميكروب السبحي حيث يحتوي ذلك الميكروب على نوع من البروتينات تشبه إلى حد كبير البروتين الموجود في الصمام الميترالي للقلب مما يؤدي إلى حدوث حمى روماتيزمية، وكذلك قد يصاب الشخص بسبب التصاق جسم غريب بخلايا جسم الإنسان، مما يؤدي بجهاز المناعة أن يهاجم الإثنين معا.

ثالثا: الغدة التيموسية (Thymus gland) أو الغدة الصعترية

أثبتت الأبحاث أن الخلايا التي تنتجها الغدة التيموسية T-cells يخرج معها أيضا خلايا أخرى تعمل على تثبيط تلك الخلايا حيث تستمر تلك الخلايا في نشاطها المناعي وتهاجم خلايا الجسم بعد أن تنتهي من عملها مع مولدات المضادات مما يؤدي إلى الإصابة بالأمراض المناعية، وفي بعض الأحيان يؤدي استئصال الغدة التيموسية إلى أمراض تشابه أمراض المناعة الذاتية.

رابعا: أسباب أخرى

هناك مجموعة أخرى من الأسباب التي تؤدي إلى حدوث الأمراض المناعية كعامل تقدم العمر، اضطراب الهرمونات وخاصة عند النساء، وكذلك العامل البيئي والذي يتمثل في التوتر النفسي، التغذية السيئة، الأدوية.

5أشهر أمراض المناعة الذاتية

أ- مرض الذئبة الحمراء Systemic lupus erythematosus

يعتبر مرض الذئبة الحمراء من أشهر الأمراض المناعية الذاتية، يبدأ ذلك المرض بإصابة الجلد ثم يحدث خللا في أغلب أجزاء الجسم، وكما ذكرنا آنفا أن النساء هم الأكثر عرضة لأمراض المناعة فإن نسبة الإصابة بذلك المرض في الإناث أربعة أضعاف تلك النسبة في الذكور، ويتميز ذلك المرض بأن له فترات ينشط فيها ثم يتحسن المريض بعد ذلك وتقل حدة المرض تدريجيا. تعالج الذئبة الحمراء عن طريق إعطاء بعض الفيتامينات، ومهدئات تقلل ألم المفاصل، وحتى الآن تعتبر مركبات الكورتيزون هي الأكثر فاعلية في علاج الذئبة الحمراء وتعطى موضعيا على الجلد المصاب، أو بالفم، ويتم تقليل تلك الجرعات تدريجيا حتى تتحسن الحالة.

ب- الروماتيد rheumatoid arthritis

يعتبر الروماتيد مرض مزمن حيث يصيب كل مفاصل الجسم، ليس هذا فحسب بل إنه يصيب أجهزة أخرى كالجهاز البولي، والجهاز الدوري، والجهاز العصبي. تعد مفاصل اليدين والقدمين الصغرى هي الأكثر عرضة للإصابة بالمرض ثم ينتقل إلى باقي مفاصل الجسم، وفي بعض الأحيان يؤدي إلى حدوث نقص في كرات الدم البيضاء، وتضخم في الطحال، ويرجع بعض العلماء الإصابة بمرض الروماتيد إلى الاستعداد الوراثي.
من أكثر النقاط التي تشير إلى أن الشخص مصاب بالروماتيد حدوث ألم شديد في كل مفاصل الجسم في الصباح بعد الاستيقاظ من النوم مباشرة ثم يتحسن شيئا فشيئا، وقد يمتد تأثير الروماتيد فيتجاوز المفاصل مصيبا القلب أو الجلد أو العين أو الجهاز التنفسي. يعتمد في علاج مرض الروماتيد على مركبات الكورتيزون كما في الأمراض المناعية الذاتية الأخرى، وكذلك بعض المسكنات مثل:البارسيتامول، والأيبوبروفين وغيرهم.

ج- مرض السكر

يعتبر مرض السكر من أكثر أمراض المناعة انتشارا في جميع أنحاء العالم حيث أسست مراكز بحوث خاصة بمرض السكر فقط أسبابه وعلاجه، وكيف تتعامل الأسرة التي بها شخص مصاب بالسكر. تشير بعض الأبحاث والدراسات أن سبب مرض السكر الرئيسي العدوى الفيروسية حيث أن مرض السكر غالبا ما يظهر بعض الإصابة بالإنفلونزا أو بالإصابة بالغدة النكافية أو تغير معين في البروتين الخاص بخلايا تسمى بيتا.

وفي تلك الحالة يهاجم الجهاز المناعي خلايا البنكرياس التي تحتوي على خلايا بها البروتين بيتا فيدمر جهاز المناعة مسببا نقص في إفراز الأنسولين ويؤدي ذلك لعدم احتراق السكر في الجسم مما يؤدي إلى عدم حصول الجسم على الطاقة اللازمة له فترتفع نسبة الجلوكوز بالدم وكذلك يرتفع تركيز السكر في مجرى البول عن باقي أجزاء الجسم مما يؤدي إلى الإحساس الدائم بالعطش ويحتاج المريض إلى تناول سوائل كثيرة لمنع حدوث جفاف.

هناك نوعان من الإصابة بمرض السكر الأول الذي يصيب الأطفال والشباب يعتمد في علاجه على الحقن بالأنسولين ليتم تعويض الجسم عن عدم وجود السكر بالبنكرياس، وذلك يستمر مدى الحياة مما يتطلب ثقافة من المريض والأسرة كلها عن التعامل مع مرض السكر. أما النوع الثاني من الإصابة بمرض السكر فيصيب الأشخاص فوق الأربعين حيث يعتمد علاج ذلك النوع من السكر على أن يلتزم المريض بالأطعمة التي لا تحتوي على سكريات أو نشويات حيث أن البنكرياس في تلك الحالات يكون قد أنهك تماما.

د- أمراض الكلى

تعتبر أمراض الكلى التي تنتج عن تغيرات مناعية في الجسم هي أكثر الأمراض التي تنتهي بالفشل الكلوي وتمثل تلك الأمراض 50% من أمراض الكلى. تبدأ إصابة الكلى عن طريق تكوين أجسام مضادة لخلايا الكلى حيث تتحد تلك الخلايا مع الخلايا الكلوية فيترتب على ذلك تكوين المركب البروتيني المكمل حيث تعمل الخلايا البالغة على التخلص من المركبات التي تزيد باستمرار إلى أن تصل إلى حد معين يزيد عن قدرة الخلايا البالعة، فتقوم بحجز تلك المركبات وترسبها في الكلى مؤدية إلى حدوث التهابات وأمراض أخرى تختلف بحسب المكان الذي تترسب فيه.

6ما علاج الأمراض المناعية الذاتية؟

يلجأ الأطباء في معظم حالات الإصابة بأمراض المناعة الذاتية باستخدام علاجات تقليدية يتم بها السيطرة على الأعراض التي يحدثها المرض المناعي الذاتي، كما تؤدي استخدام تلك العلاجات إلي تثبيط الجهاز المناعي من أجل تقليل قدرته على إصابة الأهداف التي يقصفها وبالطبع فإن تلك الأدوية يكون لها أثار جانبية. يبحث العلماء الآن في وضع أدوية تساعد الجهاز المناعي على تصحيح عمله بحيث يستطيع التفريق بين الخلايا غير الطبيعية دون أن يمس بالخلايا الطبيعية وتم تحقيق نتائج ملموسة في هذا الصدد.

7الأمر خطير للغاية!

ونجمل فنقول أن أمراض المناعة الذاتية هي أمراض تشن حربا غير مسبوقة على الجسم، وليس لأحد ما مهما بلغ من العلم أن يتنبأ ماذا ستصيب تلك الأمراض من الجسم فأحيانا تصيب الجلد أو القلب والجهاز العصبي والهضمي وتصيب الغدد كثيرا في حالات النساء وخاصة في مراحل الحمل والعمل، ولذا فيجب عدم الاستهانة بها تماما بل يجب العناية بأن تشخص تشخيصا سليما وتعالج بالطريقة الصحيحة وقبل ذلك الأمرين فإن الشخص المصاب بأمراض المناعة الذاتية يحتاج في المقام الأول إلى التغذية السليمة، والراحة النفسية، وممارسة الرياضة ، والتعرض لأشعة الشمس بشكل يومي فإن تلك الأشعة قد تلعب دورا في التعافي أكثر مما تلعبه الأدوية وخاصة أنه ليست لها أثار جانبية كالأدوية.

كما ينصح مريض المناعة الذاتية بأن يتسلح بأقوى سلاحين ألا وهما الصبر على المرض والتسلح بالأمل في الشفاء، وألا يستسلم تماما للإعياء الذي يشتد عليه أحيانا في فترات المرض لما للعامل النفسي من أثر خطير في مقاومة الأمراض المناعية مما يجعل المحاطين بالشخص المصاب لهم دورا في تحسن المرض أو تدهوره لذا يلزم التفطن لذلك الأمر.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

عشرة − 2 =