الأحاديث السطحية

الأحاديث السطحية هي تلك الأحاديث التي يكون محورها عادة موضوعاً شديدة العمومية كالتحدث عن حالة الطقس مثلاً أو ارتفاع الأسعار ويلجأ الناس عادة إلى الأحاديث السطحية بسبب حاجتهم إلى التحدث حول موضوع مقبول اجتماعياً من ناحية وبسبب عدم رغبتهم في المغامرة بالتحدث حول موضوعات أكثر جدية لخوفهم من عدم تقبل الحاضرين لرأيهم أو لحديثهم الجدي، هذا عطفا على انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت أغلب الحاضرين في الاجتماعات العائلية أو غيرها يفحصون هواتفهم الذكية على الدوام وطامة الأحاديث السطحية الكبرى أنها لا تبني أبداً علاقات اجتماعية صحية بل على العكس تماماً حيث تجعل من الاجتماعات العائلية أو اجتماعات العمل أو غيرها مكاناً مملاً وملئ بلحظات الصمت المثقل.

أسباب انتشار ظاهرة الأحاديث السطحية

الأحاديث السطحية سواء في تجمعات الأهل أو الأقارب أو الأصدقاء أو حتى تجمعات العمل لها الكثير من الأسباب منها على سبيل المثال:

الانشغال بتصفح الهواتف الذكية أثناء إجراء الحديث

في دراسة بحثية أجرتها جامعة فرجينيا للتكنولوجيا في بلاسبورغ قام الباحث “شالين ميسرا” أستاذ علم النفس بدراسة مدى تأثير وجود الهواتف الذكية على جودة الأحاديث الجماعية، وعليه قام ميسرا وفريقه البحثي بزيارة أكثر من 200 مقهى وذلك من أجل اختبار مدى تأثير الهواتف على التفاعلات الاجتماعية، وتوصلت نتائج الدراسة إلى أن التصفح الزائد للهواتف الذكية أثناء الاجتماعات يجعل لدى الجالسين رغبة ملحة ودائمة في تصفح الإنترنت وبالتالي يجعلهم أكثر انسحاباً من الواقع وغير متابعين لمجرى الحديث من الأساس، كما تفوت مراقبة الهاتف على الحاضرين طرق التواصل الأخرى مثل مراقبة تعبيرات الوجه والتغير في لهجة الحديث وبالتالي يكون المشاركين أقل اتصالاً ببعض البعض، ولتجنب كل هذه المواقف يلجأ المجتمعون مع هواتفهم الذكية عادة إلى عدم التحدث في أمور جدية تتطلب منهم ترك تصفحهم والإصغاء للحديث، ولذا يجرون محادثات فارغة وسطحية لا تؤدي إلى أي معنى.

- إعلانات -

الفجوة العمرية بين الحاضرين

غالباً ما تؤدي تلك الفجوة العمرية إلى بحث الحاضرين عن موضوعات تكون مقبولة ومناسبة للجميع هذا عطفا على كونها لا تثير أية خلافات سياسية أو ثقافية ولذا يلجأ الحاضرون إلى اختيار الأحاديث السطحية لأنها لا تُشعر الحاضرين بالتوتر والضغط كما أنها لا تقوم باستثناء أي فرد من المشاركة، ولذلك يتجه معظم المجتمعين إلى الأحاديث السطحية التي يكون لكل حاضر رأي فيها، وجدير بالذكر أن هناك دراسة علمية أجرتها “كيت فوكس” أخصائية الأنتروبولوجيا ووجدت أن أكثر من 90% من الخاضعين للدراسة تحدثوا فقط عن حالة الطقس في اجتماعهم الأول في استراحة العمل. يُذكر أن الاجتماعات التي تضم فئات عمرية غالباً ما تُثار خلالها الأحاديث السطحية بسبب فجوة الآراء أيضا بين الحاضرين؛ ففي الوقت الذي يرى فيه الجيل الأكبر أن جيل الشباب طائش ولا يحترم عادات وثقافات المجتمع، يرى الشباب أن جيل الكبار لا يستوعبون تغير الزمن واجتياح موجات العولمة لبلدان العالم بأسره مما جعل العالم يبدو وكأنه قرية صغيرة ولذا فالتقاليد والأعراف الاجتماعية لا مكان لها في الوقت الحالي حيث الغلبة للقوة والهيمنة للانفتاح على الآخر المختلف.

- إعلانات -

الخوف من التعرض للإحراج

من أهم أسباب انتشار الأحاديث السطحية بين اجتماعات العائلة أو الأهل أو الأصدقاء هي خوف بعض المشاركين من الإدلاء بآرائهم أو الخوض في نقاش جدي مما يجعلهم مثار لسخرية المختلفين عنهم في الرأي ولذا يلوذ البعض بالصمت المطبق ويلجأ الآخر إلى فتح موضوعات لا تهمه ولكنها لن تحرجه فالمشاركة بها لا تعكس آراء بعينها، وتجدر الإشارة أن أغلب الناس في الوقت الحالي أضحت تميل إلى إخفاء آراها في الاجتماعات والإدلاء بها فقط من خلال وسائل التوصل الاجتماعي لأنه حينها سيستطيع التحدث بكل حرية وبدون خوف من الإحراج وهو ما يدفعه إلى مناقشة أكثر الموضوعات تعقيدا على الفيس بوك أو تويتر.

ألا يكون جميع الحاضرين على نفس الدرجة من الحميمية والقرب

ويعني ذلك أن يضم الاجتماع مثلا ثلاثة من أصدقاء الشخص وواحد غريب عنه تماماً وربما يراه للمرة الأولى، في هذه الحالة لن يغامر ذلك المتحدث في الخوض في موضوعات اجتماعية أو غيرها أمام شخص لا يعرفه تمام المعرفة أو بالكاد يعرفه فيلجأ في تلك الحالة إلى خوض الأحاديث السطحية والتي من سماتها أنها لا تترك انطباعاً عن أي حد.

القواعد الأساسية لتجنب الأحاديث السطحية

الأحاديث السطحية ليست بالشر المطلق إذا تم استخدامها في النطاق الصحيح وفي حدودها السليمة الممكنة؛ فعلى سبيل المثال عند التعارف الأول بين زملاء العمل يجب اللجوء حينها للأحاديث السطحية حتى لا يحدث صدام محتمل بسبب اختلاف الآراء، كذلك في حال تواجد عدد كبير من الأقارب يضم أعمار مختلفة ومستويات تعليم متباينة حينها يكون اللجوء للأحاديث السطحية هو المخرج المناسب؛ فلا يليق على سبيل المثال حسب قواعد الذوق العام أن يضم المجلس بسطاء ويثير الحاضرون النقاش حول ظاهرة الاحتباس الحراري أو التضخم أو انهيار العملة بالطبع سيستشعر بعض الموجودين بالحرج لعدم فهمهم لتلك الموضوعات ، وبالمناسبة عدم الفهم لا يعيبهم في شئ فتلك الموضوعات شديدة التخصص، وعليه ففي الحالات السابقة وما يشابهها فحسب يمكن اللجوء للأحاديث السطحية أما في حال كان الاجتماع لأصدقاء الجامعة أو أصدقاء العمل فاللجوء حينها للأحاديث السطحية سيقتل علاقتهم ببطء شديد ودون أن يشعروا ولهذا هناك بعض القواعد الأساسية التي يمكن اللجوء إليها لتجنب الأحاديث السطحية:

قطع الاتصال بالإنترنت فور لقاء الأصدقاء

فمن شأن تلك الخطوة أن تجعل اللقاء مثمر بشكل كبير، حيث سيقوم كل الحاضرين بالتركيز في مجرى الحديث وإبداء رأيهم بكل أريحية وبساطة، ويمكنهم كذلك التقاط الصور الجميلة لتكون تذكارا لهذا اليوم المميز، ولكن يجب التأكد بعد التفكير نهائيا بما يدور على حائط الفيس بوك فالأمور هي نفسها يا عزيزتي وعند الانتهاء من لقاء أصدقائك لن تجدي العالم تغير كثيراً.

المرونة

بمعنى أن تترك مساحة للرأي الآخر في الحديث ولا تحاول تحجيمه، فعلى سبيل المثال رأي والديك في الحياة ليس دائماً تقليدي وقديم ويفتقد للعصرية، ربما يمكنك التفكير في هذا الأمر ملياً فهناك بعض الآراء الأصلية التي لا يجور عليها الزمن.

الابتعاد عن نظرية الاختراق الاجتماعي

وتلك النظرية مفادها أن تحاول اختراق الحاضرين اجتماعيا ومعرفة تفاصيل كثيرة خاصة بهم، ويجب التذكر دوماً أننا نخوض نقاشات عميقة ولا نعبث بداخل الشخص وماضيه وحاضره، جُل ما يهمني في الحديث هو آراه وليست حياته الشخصية.

تحويل دفة الحديث

إذا بدأ الحاضرون يثيرون أحاديث سطحية يمكن لأحدهم أن يحول دفة الحديث إلى نقطة أعمق؛ فعلى سبيل المثال إذا كان الحاضرون في اجتماع عائلي وقال أحد الكبار أن زمن الماضي كان أفضل من الحاضر؛ ربما يمكن لأحدهم أن يتحدث حينها عن أوجه الأفضلية؛ يتحدث عن التراث ورائحة الماضي الجميل التي تتجسد في بيت الجد مثلا والأمان النفسي الذي لا يشعر به الأبناء إلا في وجود لمة العائلة، وهنا سيشعر الآباء أن أبناؤهم ما زالوا يقدرون دورهم ووجودهم في الحياة.

وختاما؛ فالأحاديث السطحية هي التي تقوم بإجرائها مع أصدقائك أو زملائك أو العمل أو أفراد عائلاتك ولا تتذكر أي كلمة من هذا الحديث فور انتهاؤه، وتلك الأحاديث السطحية تدمر العلاقات الإنسانية أكثر مما نظن، ربما يكون لها أهمية في اللقاءات الأولى ولكن بين الأصدقاء أو الأهل فهي لا تسمن ولا تغني من جوع، والأحاديث السطحية هي محصلة أن يكون لديك 3000 صديق على فيسبوك وتشعر بوحدة عارمة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

سبعة عشر + 17 =