أفلام محمد خان

لا شك عزيزي القارئ أن أفلام محمد خان تُمثل جزء كبير من تميز الأفلام المصرية بشكل عام، إذ أنه لا يُمكن بأية شكل من الأشكال التعرض لأفلام هذا الرجل دون أن يتم التعرض لكيان السينما وأهميتها في نفس التوقيت، إذ أن الرجل كان علامة حقيقية وأفلامه كانت غاية التميز والأهمية للدرجة التي جعلتها ترتقي عرش السينما، وقد أخرج خان واحد وعشرين فيلم فقط خلال مسيرته في هذه المهنة، إلا أن مجموعة الأفلام تلك ليست مُجرد أفلام عادية مثل التي أخرجها جيل خان أو الجيل الذي يسبقه أو حتى الذي يليه، على العموم، مع وفاة محمد خان عام 2016 تفاجئ بعض المتابعين الشباب للسينما أن ثمة مخرج هام قد رحل عن عالمنا، وهذا ما يأخذنا طبعًا إلى أهمية البحث خلف أفلام هذا الرجل للوقوف على أسباب تميزه وكيفية تحقيقه تلك الطفرة إن جاز وصفها بذلك، فهل أنتم مستعدون لهذا التناول الهام؟ حسنًا لنبدأ.

أسباب تميز أفلام محمد خان

أفلام محمد خان أسباب تميز أفلام محمد خان

لا شك أن شهرة وانتشار أفلام محمد خان أمران لم يأتيا من قبيل الصدفة أو كانت هناك عوامل غير معلومة لحدوثهما، بل في الحقيقة ثمة مجموعة من الأسباب يُمكننا أن نُطلق عليها أسباب تميز أفلام هذا الرجل وأهمها الانتصار للمهمشين.

الانتصار للبسطاء والمهمشين

منذ المشاهدة الأولى لأي فيلم من أفلام محمد خان سوف يكون لديك يقين بأن تلك الأفلام تنتصر بشكل أساسي وفارق للبسطاء والمهمشين، فهؤلاء في أفلام خان ليسوا مجرد جزء أو فئة يتم الترميز إليها، وإنما هم الأساس الذي يتم البناء عليه بشكل رئيسي، والحقيقة أنه في كل فيلم من أفلام هذا الرجل كان ثمة وجود لبطل رئيسي يظهر في دور البسيط وهو في الحقيقة قادر على التغيير، وهذا هو فعل الانتصار الذي نتحدث عنه، فالسينما غالبًا ما تبحث عن الأغلبية وتحاول إظهارها، أو على سبيل المثال تبحث عن تمثيل الأثرياء وتُبرر ذلك بأنه ثمة من يرغب فيمن يُصبح مثلهم من البسطاء، لكن محمد خان يبني قاعدة الأفلام الخاصة به على أساس مثل هؤلاء ويُحاول أن يطفو بهم.

سرد حكايات الشارع المصري

تعتمد أفلام محمد خان طوال الوقت على الحكايات كجزء أساسي ورئيسي بها، إذ أنه من الممكن جدًا أن يكون الفيلم ذو تيمة وموضوع مُعينين لكن في المنتصف ترى شخصية هامشية تأتي وتحكي واحدة من الحكايات حتى ولو كان ذلك من خلال المقهى على سبيل المثال، المهم في النهاية أن يكون هناك من يمتلك خاصية الحكاية، أو ربما يكون موضوع الفيلم بأكمله مُتعلق بمفهوم الحكاية، فخان لن يأتي لك بقصة مُعينة ثم يُحاول الاعتماد على مبدأ الإسقاط أو يُحاول تقريب وجهات النظر ويجعل الشخصيات تبدو واقعية، هو مباشرةُ يأتي بهذه القصص الواقعية ويجعلها جزء أصيل من الدراما الموجودة في فيلمه أو يجعل الفيلم كله يدور حولها، وغالبًا ما تكون القصة رائجة أو على الأقل بطلها، ثم يبني خان بعد ذلك الفيلم عليها.

تناول الواقع بشكل حقيقي

طبعًا أغلبكم شاهد الأفلام والمسلسلات المختلفة ويعرف أنه ثمة أكثر من طريقة لخروج هذه الأعمال، أولها أن يتم الاعتماد على مبدأ الإسقاط أو يتم إظهار الواقع بشكل موازي ثم على المشاهد أن يقوم بعملية المُحاكاة، لكن خان، وكواحدة من أهم أسباب تميز أفلامه، قام باستخدام الشكل الحقيقي المثالي في تناول ذلك الواقع، فالبطل لديه ليس من الواجب أن يكون طبيبًا أو ضابط شرطة أو حتى بلطجي، بل يُمكن أن يكون سائق، يُمكن أن يكون مدرس، يُمكن أن يكون شخص بلا عمل أساسًا، المهم في النهاية أن يكون التناول واقعي، أن تُشاهد الفيلم وتُجزم أنك قد شاهدت الكثير مثل هذا البطل في الحقيقة وأن الكثير من الأحداث وقعت لك أو لمن حولك بالفعل، وهذه هي قوة أفلام محمد خان العظيمة.

توثيق القاهرة بشكل سينمائي

كل من شاهد أفلام محمد خان يعرف تمام المعرفة أن هذه الأفلام قد امتلكت واحدة من المميزات التي يصعب تواجدها في الوقت الحالي، والحديث هنا عن فكرة التوثيق للمكان والزمان وليس مجرد تصوير فيلم بقصة ومجموعة من الأحداث والشخصيات، وتفسير ذلك ببساطة أن محمد خان يُصور في أماكن حقيقية وبأشخاص حقيقيين وفي ظروف حقيقية، وهذا ما جعل البعض يقول إنه يُعتبر صاحب الفضل الأول في توثيق القاهرة بالكثير من المراحل التاريخية التي مرت بها خلال العشرين سنة الأخيرة من القرن المنصرم، فخلال هذه الفترة صور خان أفلامه واعتمد على الشارع والحقيقة وأظهر شكل القاهرة في جو سينمائي يجعل أغلب الأفلام التسجيلية تعتمد على أجزاء من أفلامه كمواد تسجيلية في غاية الدقة والأهمية.

الاهتمام بصناعة محتوى أفلام محمد خان

إذا ما ذكرت كلمة مخرج فسوف يتبادر إلى ذهنك بكل تأكيد شخص يتسلم سيناريو فيلم من الأفلام ثم يبدأ في ممارسة مهامه من أجل إخراج الفيلم وإظهاره بصورة مثالية، لكن الأمر مُختلف كل الاختلاف فيما يتعلق بمجموعة أفلام محمد خان التي خلقت لنفسها أرضية مُختلفة ومميزة، ففي البداية الرجل يُسهم في صناعة الفيلم قبل أن يكون شيئًا على الإطلاق، بمعنى أنه يُسهم في صناعة الفكرة ثم أحيانًا يقوم بعملية التأليف بنفسه، وحتى لو لم يفعل ذلك فإنه يظل مُتابعًا لعملية التأليف مع المؤلف ويُشارك في أجزاء كبير منها، ومن خلال هذا طبعًا يتوحد أكثر مع الفيلم ويُسهل عملية إخراجه.

تواجد كبار النجوم والمُبدعين

كذلك من الأشياء التي يجب وضعها بقوة في الاعتبار أن أفلام محمد خان قد تميزت بتواجد كبار النجوم والمُبدعين بها، وهذا لا يعني طبعًا أننا ننسب الفضل في هذه الأفلام إلى هؤلاء النجوم والممثلين وإنما نُشير إلى حقيقة كون هذا المخرج متميز للدرجة التي تجعله جاذبًا لمثل هؤلاء النجوم ويرغبون في العمل معه باستمرار، والحديث هنا عن نجوم مثل سعاد حسني وأحمد زكي ومحمود عبد العزيز وعادل إمام ونور الشريف، فلو لاحظنا نحن نتحدث عن أبرز النجوم الذين مروا بسماء الفن المصري وتركوا آثارًا كبيرة به، وبالتالي العمل في أفلام خان كان سببًا من أسباب تميز هذه الأفلام وشهرتها.

أهم أفلام محمد خان

أفلام محمد خان أهم أفلام محمد خان

بعد أن تناولنا أسباب تميز محمد خان التي أدت إلى ارتقاءه عرش السينما المصرية لفترات طويلة، تمثلت في الواقع بطول الفترة التي عاش بها سينمائيًا وأخرج خلالها معظم أفلامه، فإن الدور الآن يأتي على التعرف عن قرب على هذه الأفلام، أو أهمها على وجه الدقة لكثرتها وتميزها، عمومًا أهم أفلام الرجل بالسينمات فيلم أيام السادات.

أيام السادات 2001

من أهم الأفلام التي أصدرتها السينما المصرية وأكثرها خلودًا حتى وقتنا الحالي فيلم أيام السادات الذي صدر في عام 2001 وكان من بطولة النجم أحمد زكي الذي أدى شخصية الرئيس السادات وكان بشهادة الجميع صاحب أحلى أداء تقليدي في تاريخ السينما المصرية، إذ أنه لا يُمكن تصور وجود شخص يُمكنه أن يؤدي هذه الشخصية بصورة أفضل من ذكي، أو حتى لا يُمكن تصور وجود شخصية أساسًا يُمكن محاكاتها بهذه الطريقة المُدهشة التي أدى بها أحمد زكي دوره في الفيلم، لكن المميز هنا أن الفيلم كان من إخراج محمد خان الذي تمكن من إدارة العمل بحيث يخرج في النهاية وكأنه ممثلًا لأيام السادات فعلًا وليس مجرد محاكاة لها، وبكل تأكيد هذا أمر يُمكن لمسه من خلال كل تفصيله في الفيلم وكذلك تصريحات النقاد والجمهور على حدٍ سواء، ليستحق الفيلم لقب أفضل أفلام محمد خان المميزة.

الحريف 1984

لا نزال مع أفلام محمد خان التي تقول بوضوح أننا أمام مخرج من طراز فريد، هذه المرة الحديث ينتقل إلى فيلم الحريف الذي صدر عام 1984 وكان من بطولة النجم الكبير عادل إمام ولفيف آخر من النجوم، حيث أن الفيلم جاء في فترة كانت موجة أفلام الكوميديا والحركة هي السائدة وكان عادل إمام جزء كبير من هذه الموجة بتجسيد أغلب أفلامها، لكن خان قرر تغيير جلد عادل إمام من خلال فيلم يظهر فيه كلاعب كرة قدم موهوب يعمل في أحد مصانع الجلد ويتشاجر مع زوجته التي تعيش في مكان منفصل عنه، وإلى هنا يُمكنك القول بكل ثقة أننا أمام قصة بسيطة وعادية بنسبة كبيرة، لكن تناول تلك القصة العادية جاء بعين مُخرج متميز تمكن من التوثيق لتلك المرحلة في القاهرة بشكل دقيق أدى إلى اعتبار معظم مشاهد الفيلم لقطات أرشيفية يتم الرجوع إليها عند الرغبة في الرجوع إلى القاهرة بذلك التوقيت.

ضربة شمس 1980

أيضًا من أفلام محمد خان المميزة التي تمتلك رصيدًا كبيرًا مع عشاق السينما في كل مكان فيلم ضربة شمس الذي صدر عام 1980 وكان في بداية رحلة محمد خان في سماء الإخراج، بمعنى أنه مثل تجربة أولى له أو تجربة حقيقية تُعتبر الأولى، فقبل ذلك عمل في أفلام قصيرة وكمساعد مخرج، على العموم، الفيلم كان من بطولة أحد نجوم هذه المرحلة وهو النجم نور الشريف بالتعاون مع بوسي وليلى فوزي وتوفيق الدقن، أما القصة فكانت تدور حول مصور موهوب يتم دعوته لتصوير أحد الحفلات وهناك يلتقط صورة غامضة تكون سببًا في قلب حياته رأسًا على عقب، حيث يتم مطاردته من كيان مجهول، فما هو ذلك الكيان وما الذي يُريده بالضبط؟ هذا ما يُقدمه لنا خان في فيلم يعتبره الكثيرون نقلة جديدة في مجال أفلام الإثارة المصرية، أو هكذا كان وقتها، والحقيقة أن كثير من أفلام الإثارة الحديثة فشلت في أن تكون بمستوى هذا الفيلم.

موعد على العشاء 1981

لا يُمكنك أن تذكر أفلام محمد خان وتغفل فيلم موعد على العشاء الذي يعتبره البعض أحد روائع السينما المصرية، هذا بخلاف كونه طبعًا أحد أفلام خان المميزة، والفيلم يتحدث ببساطة عن فتاة جميلة تؤدي دورها سعاد حسني تُصبح مطمع لأحد رجال الأعمال، ويؤدي دوره حسين فهمي، حيث يتزوجها هذا الرجل من أجل تحقيق رغباته بها، لكنه يكتشف أنها على علاقة حب مع زميلها، ويؤدي شخصيته أحمد زكي، حيث أن تلك الفتاة قد يئست من إعمال الثري لها، مما يقود إلى قتله وقطع الطريق أمام زواجهما، في النهاية تلك الفتاة وتضع السم في الطعام للرجل الثري وتتناول معه ذلك الطعام ليموت الجميع في النهاية، وما يميز الفيلم هنا هو تناول العلاقات بشكل مختلف من خلال أعين محمد خان المختلفة.

فارس المدينة 1993

هذا الفيلم كان معروضًا على نجوم كبار مثل عادل إمام وأحمد زكي لكنهم رفضوه ليذهب الفيلم بعد ذلك إلى الممثل الغير شهير في ذلك الوقت محمود حميدة وينجح في تحقيق صدى كبير ويُصبح حميدة منذ هذا اليوم نجمًا سينمائيًا كبيرة، وفيما يتعلق بالفكرة التي أوجدها خان وكتب السيناريو والحوار لها فايز غالي فهي تدور حول فارس، رجل الأعمال الذي نجح في تكوين ثروة كبيرة لكنه خسرها كذلك، وفي نفس الوقت لديه الكثير من المشاكل في أسرته بدءًا من زواجه الغير مستقر وولده المراهق الذي يتعاطى المخدرات، ثم تستعرض الأحداث رحلة صعود فارس وتدميره أيضًا في صورة حياتية تُبين لك أن فارس ما هو إلا أنت عزيزي المشاهد، حيث يتم استعراض حياته كاملة في أقل من ساعتين وتكتشف بعدها أن الفيلم يدور حولك، فأنت من سعيت لجني المال وأنت من أضعته وأنت من دُمرت حياتك، وفي الواقع نجاح خان قد تبعه محمود حميدة الذي أدى الدور على أفضل ما يكون، وربما أكثر مما كان يُتوقع من عادل إمام وأحمد زكي.

فتاة المصنع 2014 من أهم أفلام محمد خان

طبعًا فترة العقدين الأخيرين من القرن المنصرم كانت فترة تألق محمد خان وشهدت أهم وأفضل أفلامه، لكن الفترة الأخيرة من حياته شهدت كذلك أفلام في غاية الأهمية منها فيلم فتاة المصنع الذي عُرض في عام 2014 وكان من بطولة النجمة الشابة ياسمين رئيس بالإضافة إلى هاني عادل ولفيف آخر من الممثلين المتميزين، وقصة الفيلم ببساطة تدور حول علاقة حب من مجتمع متدني مرتبط بالطبقة المتوسطة، وذلك من خلال الفتاة التي تعمل في مصنع وتقع في حب أحد المسئولين عن العمل، ثم تدور الأحداث في إطار درامي رومانسي لتزيل الستار عن العلاقات في هذا العالم والنظرات التي ينظر بها المجتمع إلى مثل هذه العلاقات وما يُمكن أن تقود إليه مثل هذه النظارات، فيلم رائع آخر ضمن روائع خان.

قبل زحمة الصيف 2015

آخر الأفلام دائمًا ما تكون ذات مذاق خاص، وهذا ربما ما ينطبق على آخر أفلام محمد خان قبل زحام الصيف، وهو الذي صدر في نهاية عام 2015، أي قبل وفاته بفترة قصيرة، وقد كان الفيلم من فكرته مثلما هو معتاد في أغلب أفلامه، أما الأبطال فكانوا هنا شيحة وماجد الكدواني وأحمد داوود، وهم نجوم شباب بارعين ليسوا جماهيريين، لكن الفيلم حقق بهم نجاحًا كبيرًا على الرغم من أن القصة كانت تبدو جريئة وغريبة بعض الشيء، على العموم، تدور أحداث فيلم قبل زحمة الصيف عن زوجين يذهبان إلى إحدى القرى السياحية من أجل قضاء العطلة الصيفية قبل أن يزدحم المكان، وهناك يتعرفان على مترجمة شابة مُطلقة وتتغير حياتهما تمامًا، والقصة البسيطة هذه تمكن خان من خلالها من إبراز شكل العلاقات والحياة الزوجية وأمور مثل الخيانة والوفاء، الفيلم ممتع وقد حصل على عدة جوائز منها ما جاء بعد وفاة خان.

ختامًا عزيزي القارئ، ليس هناك شك طبعًا أن مصر بها الكثير من الأفلام المتميزة والمخرجين المتميزين، لكن المخرج محمد خان على وجه التحديد وأفلامه هي التي تجعلنا أمام حالة حقيقية من التميز والإبداع تستحق الحديث عنها طويلًا وتحليلها، لذا فإنه من باب النصيحة عليكم أولًا قراءة دراسات نقدية وكتب موجودة عن خان قبل أن تشرعوا في مشاهدة أفلامه.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

تسعة عشر − 8 =